نَهانا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن كِراءِ أرضِنا، ولمْ يكُنْ يَوْمَئِذٍ ذَهَبٌ ولا فِضَّةٌ، وكان الرجُلُ يُكري أرضَه بما على الرَّبيعِ، والأَقْبالِ، وأشياءَ معلومةٍ، وساق الحديثَ.
كان الأنصارُ في المَدينةِ أهلَ زِراعةٍ، وكانت لهم مزارِعُ يَزرَعونَها ويَقومونَ عليها، وغالِبُ تَعامُلِهم في الإجارةِ وغَيرِها إنَّما هو بالثَّمَرِ، بأَن يَقومَ أحَدُهم بإِجارةِ أرضِه لغَيرِه على مُقابِلٍ مِنَ الثَّمَرِ الذي يَخرُجُ مِنَ الأرضِ؛ وذلك لأنَّ الدَّنانيرَ والدَّراهمَ كانت قَليلةً عِندَهم؛ ولهذا كانوا يُكرُونَ مَزارِعَهم بالثَّمَرِ، وقد يَكونُ في ذلك جَهالةٌ وغَرَرٌ، بحَيثُ إنَّ الأرضَ لا تُخرِجُ ثَمَرًا، فنُهُوا عَن كِرائِها، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ رافِعُ بنُ خَديجٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: نَهانا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن كِراءِ أرضِنا، أي: إجارَتِها بنَصيبٍ مِنَ الثَّمَرِ في مُقابِلِ إعطاءِ الأرضِ للغَيرِ يَزرَعُها، ولم يَكُنْ يَومئِذٍ ذَهَبٌ ولا فِضَّةٌ، أي: لم يَكُنِ النَّاسُ يَتَعامَلونَ في إجارةِ الأرضِ بالذَّهَبِ وهو الدِّينارُ، ولا بالفِضَّةِ وهيَ الدِّرهَمُ.
وكان الرَّجُلُ يُكري أرضَه بما على الرَّبيعِ.
وهو النَّهرُ الصَّغيرُ، والأَقبالِ.
جَمعُ قُبْلٍ أي: رؤوسِ الجَداوِلِ وأوائِلِها، والجَدولُ هو النَّهرُ الصَّغيرُ كالسَّاقيةِ.
وأشياءَ مَعلومةٍ، أي: أشياءَ مُعَيَّنةٍ مِنَ الزَّرعِ يَجعَلونَها لأنفُسِهم مِثلَ أنَّ له الجِهةَ أوِ المَكانَ الفُلانيَّ مِنَ الأرضِ، وللمُستَأجِرِ المَكانُ الآخَر.
فنُهُوا عَن ذلك؛ لِما فيه مِنَ الغَرَرِ.
والمَعنى: أنَّ المَنهيَّ عَنه هو المَجهولُ مِنه دونَ المَعلومِ، وأنَّه كان مَن عادَتِهم أن يَشتَرِطوا في إجارةِ الأرضِ شُروطًا فاسِدةً، وأن يَستَثنوا مِنَ الزَّرعِ ما على السَّواقي والجَداوِلِ، ويَكونُ خاصًّا لرَبِّ الأرضِ، والمُزارَعةُ شَرِكةٌ، وحِصَّةُ الشَّريكِ لا يَجوزُ أن تَكونَ مَجهولةً، وقد يَسلَمُ ما على السَّواقي ويَهلِكُ سائِرُ الزَّرعِ، فيَبقى المُزارِعُ لا شَيءَ له، وهذا غَرَرٌ، بخِلافِ إذا كان شَيئًا مَضمونًا مَعلومًا فلا بَأسَ به.
وساقَ الحَديثَ، أي: ذَكَرَ الرَّاوي بَقيَّةَ الحَديثِ.
والمَسأَلةُ فيها تَفصيلٌ وخِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ النَّهيُ عَن كِراءِ الأرضِ بالثَّمَرِ الخارِجِ مِنها .