بَيْنا نحن نَسيرُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بينَ الأَبْواءِ والجُحْفةِ، إذ غشِيَتْنا رِياحٌ وظُلْمةٌ، فجعَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتعوَّذُ بأعوذُ برَبِّ الفَلَقِ، وأعوذُ برَبِّ الناسِ، ويقولُ: يا أبا هُريرةَ، تَعوَّذْ بهما؛ فما تَعوَّذَ مُتعوِّذٌ بمِثلِهما، ثمَّ سَمِعتُه يَؤمُّ بهما في الصَّلاةِ.
القُرآنُ الكَريمُ كَلامُ اللَّهِ تعالى، له فَضلٌ عَظيمٌ، وقد جاءَتِ النُّصوصُ ببَيانِ فَضلِه وعَظيمِ أجرِ مَن قَرَأَه، وورَدَتِ النُّصوصُ أيضًا ببَيانِ بَعضِ فضائِلَ سُوَرِ القُرآنِ؛ وذلك لمَزيدِ فَضلِها على غَيرِها مِنَ السُّوَرِ، ومِنَ السُّورِ التي جاءَ ذِكرُ بَعضِ فضائِلِها سورةُ الفلَقِ وسورةُ النَّاسِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ الصَّحابةَ كانوا يَسيرونَ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَكانٍ بَينَ الأبواءِ والجُحْفةِ.
والأَبواءُ: قَريةٌ قَريبةٌ مِنَ المَدينةِ النَّبَويَّةِ تُسَمَّى اليَومَ الخريبةَ، وبَينَها وبَينَ رابِغٍ 43 كم، وفيها توُفِّيَت أمُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
والجُحْفةُ: هيَ ميقاتُ أهلِ مِصرَ والشَّامِ، تَقَعُ جَنوبَ شَرقِ رابِغٍ على بُعدِ 22 كم، إذ غَشيَتنا، أي: أحاطَتنا وجاءَتنا، رياحٌ وظُلمةٌ.
والمَعنى: جاءَتهم وأحاطَت بهم رياحٌ شَديدةٌ وظَلامٌ مِن شِدَّةِ الرِّياحِ حتَّى سَتَرَتهم، فجَعَلَ، أي: طَفِقَ وشَرَعَ، رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَعَوَّذُ، أي: يلتَجئُ ويَعتَصِمُ ويَتَحَصَّنُ بـ: أعوذُ برَبِّ الفلَقِ، وأعوذُ برَبِّ النَّاسِ، أي: يَتَحَصَّنُ بقِراءةِ هاتَينِ السُّورَتَينِ، ويَقولُ: يا أبا هرَيرةَ، تَعَوَّذْ بهما، أي: تحَصَّن بقِراءةِ سورةِ الفلَقِ والنَّاسِ، فما تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بمِثلِهما، أي: ما اعتَصَمَ وتحَصَّن شَخصٌ بشَيءٍ مِثلِ تَحَصُّنِه بهاتَينِ السُّورَتَينِ، والمَعنى: أنَّهما مِن أفضَلِ التَّعاويذِ، واختَصَّتا بذلك لاشتِمالِهما على الجَوامِعِ في المُستَعاذِ به والمُستَعاذِ مِنه.
يَقولُ أبو هرَيرةَ: ثُمَّ سَمِعتُه يَؤُمُّ بهما في الصَّلاةِ، أي: سَمِعَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي بالنَّاسِ ويَقرَأُ في صَلاتِه بسورةِ الفلَقِ والنَّاسِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ عَظيمِ فَضلِ سورَتَيِ الفلَقِ والنَّاسِ.
وفيه مَشروعيَّةُ قِراءةِ سورَتَيِ الفلَقِ والنَّاسِ في الصَّلاةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّعَوُّذِ بسورَتي الفلَقِ والنَّاسِ عِندَ هبوبِ الرِّياحِ والظُّلمةِ، وعِندَ الشُّرورِ .