بعثَ النَّبيُّ - صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - سَريَّةً فأغارت على القومِ .

فَشذَّ رجلٌ منَ القومِ واتَّبعَهُ رجلٌ منَ السَّريَّةِ ومعَهُ سيفٌ شاهرٌ فقالَ : الشَّاذُّ منَ القومِ: إنِّي مُسلمٌ ، فلم ينظُر فيما قالَ : فضربَهُ فقتلَهُ ، فنُمِيَ الحديثُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ قولًا شَديدًا فبلغَ القاتلَ ، فبينَما النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يخطبُ إذ قالَ القاتلُ: واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ ، ما قالَ الَّذي قالَ إلَّا تعوُّذًا منَ القَتلِ ، فأعرضَ عنهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ وعمَّن يليهِ منَ النَّاسِ ، فعلَ ذلِكَ مرَّتينِ ، كلُّ ذلِكَ يُعرِضُ عنهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ ، فلم يصبِرْ أن قالَ الثَّالثةَ مثلَ ذلِكَ ، فأقبلَ عليهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ بوجهِهِ تُعرَفُ المساءةُ في وجهِهِ ، فقالُ: إنَّ اللَّهَ أبى عليَّ فيمن قتلَ مُؤمنًا ثلاثَ مرَّاتٍ يقولُ ذلِكَ

الدلالات الموضوعية:# جهاد - الغارة من المسلمين على الكفار# ديات وقصاص - قتل المؤمن# جهاد - النهي عن قتال المسلم# ديات وقصاص - تحريم القتل# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - أحوال النبي
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: عقبة بن مالك
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (22543)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8593).

الشرح والتوضيح

بَعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم برِسالةِ التَّوحيدِ والدَّعوةِ إلى عِبادةِ اللهِ وحدَه، فمَن قال لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ، فقد دَخَلَ في الإسلامِ وعَصَمَ بذلك دَمَه ومالَه، وحَرُمَ قَتلُه، وجاءَتِ النُّصوصُ بشِدَّةِ عُقوبةِ مَن قَتَلَ مُؤمِنًا بَعدَ إسلامِه، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عُقبةُ بنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ، أي: أرسَلَ سَريَّةً.

والسَّريَّةُ: طائِفةٌ مِنَ الجَيشِ يَبلُغُ أقصاها أربَعَمِائة شَخصٍ تُبعَثُ إلى العَدوِّ.

فأغارَت على القَومِ.

الإغارةُ: هيَ الهجومُ على العَدوِّ، أي: أنَّ هذه السَّريَّةَ هَجَمَت على قَومٍ تَقتُلُ فيهم، فشَذَّ رَجُلٌ مِنَ القَومِ، أي: انفرَدَ رَجُلٌ مِن أولئك القَومِ وهَرَبَ حتَّى لا يُقتَلَ، واتَّبَعَه رَجُلٌ مِنَ السَّريَّةِ، أي: لحِقَه رَجُلٌ مِن أصحابِ السَّريَّةِ ومَعَه سَيفٌ شاهِرٌ، أي: وهو مُبرِزٌ لسَيفِه مِن غِمدِه، يُريدُ قَتلَ ذلك الرَّجُلِ الذي هَرَبَ.

فلَمَّا أدرَكَه وقارَبَ أن يَقتُلَه، قال الشَّاذُّ مِنَ القَومِ، أي: قال الرَّجُلُ الذي انفرَدَ مِنَ القَومِ: إنِّي مُسلِمٌ، أي: أسلَمَ وأعلَنَ إسلامَه حتَّى يَعصِمَ دَمَه مِنَ القَتلِ، ولكِنَّ الرَّجُلَ الذي تَبِعَه مِن أصحابِ السَّريَّةِ لم يَنظُرْ فيما قال، أي: لم يَلتَفِتْ لقَولِ الرَّجُلِ الشَّاذِّ: إنِّي مُسلِمٌ، وظَنَّ أنَّه قالها خَوفًا مِنَ القَتلِ، فضَرَبَه فقَتَلَه، أي: قَتَلَ الرَّجُلُ الذي مِن أصحابِ السَّريَّةِ الرَّجُلَ الشَّاذَّ مِنَ القَومِ.

فنُمِيَ، أي: وصلَ أو رُفِع، الحَديثُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أُعلِم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقِصَّةِ قَتلِ الرَّجُلِ بَعدَ نُطقِه بالإسلامِ.

فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَولًا شَديدًا، أي: غَلَّظ على الذي قَتَلَ بالقَولِ والذَّمِّ والوعيدِ.

فبَلَغَ القاتِلَ، أي: وصلَ للقاتِلِ، ما قال فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فبَينَما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَخطُبُ، أي: في وقتٍ كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَخطُبُ، إذ قال القاتِلُ: واللهِ يا نَبيَّ اللهِ ما قال الذي قال إلَّا تَعَوُّذًا، أي: إلَّا مُعتَصِمًا بالنُّطقِ بالإسلامِ خَوفًا مِنَ القَتلِ، أي: ما أرادَ بها الإسلامَ، وإنَّما أرادَ بها التَّحَصُّنَ مِنَ القَتلِ، ومَقصودُه أن يُبَيِّنَ عُذرَه في قَتلِ الرَّجُلِ، فأعرَض عَنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَمَّن يَليه مِنَ النَّاسِ، أي: تَنَحَّى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الجِهةِ التي فيها الرَّجُلُ ومَن كان في جِهَتِه مِنَ النَّاسِ.

فعَلَ ذلك مَرَّتَينِ، أي: أعادَ الرَّجُلُ الكَلامَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّتَينِ، وفي كُلِّ ذلك يُعرِضُ عَنه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا يُجيبُه، ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ لم يَصبِرْ على ذلك فأعادَ الكَلامَ للمَرَّةِ الثَّالِثةِ، فعِندَ ذلك أقبَلَ عليه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه بوَجهِه، أي: التَفَتَ إليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بوَجهِه، تُعرَفُ المَساءةُ في وَجهِه، أي: الغَضَبُ ظاهِرٌ على وَجهِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَما جاءَ موضَّحًا في رِوايةٍ أخرى، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللَّهَ أبى، أي: مَنَعَ، عليَّ فيمَن قَتَلَ مُؤمِنًا، أي: أبى عليَّ أن يَغفِرَ لمَن قَتَلَ مُؤمِنًا، وكَأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استَغفرَ للقاتِلِ إلَّا أنَّه ما استُجيبَ له، أو أنَّه سَأَلَ اللَّهَ أن يَقبَلَ تَوبةَ القاتِلِ فامتَنَعَ سُبحانَه مِن قَبولِها، ثَلاثَ مَرَّاتٍ يَقولُ ذلك، أي: كَرَّرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليه الكَلامَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ! وهذا الوعيدُ خَرَجَ مَخرَجَ الزَّجرِ والتَّهويلِ، كَأنَّه عَلِمَ أنَّ ذلك القاتِلَ ليسَ مِمَّن أنابَ حَقَّ الإنابةِ أوِ المُرادُ مَنِ استَحَلَّ القَتلَ ظُلمًا؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ تعالى يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا لمَن تابَ مِنها وصَدَقَ في إنابَتِه.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ بَعثِ الإمامِ للسَّرايا.

وفيه أنَّ الإسلامَ يَعصِمُ صاحِبَه مِنَ القَتلِ.

وفيه بَيانُ الوعيدِ الشَّديدِ فيمَن قَتَلَ مُؤمِنًا.

وفيه بَيانُ شِدَّةِ إنكارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَن قَتَلَ مُؤمِنًا .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد - قرطبة] (5/ 288) 22543- حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا بهز وأبو النضر قالا ثنا سليمان بن المغيرة ثنا حميد قال: أتاني الوليد أنا وصاحب لي قال فقال لنا هلما فأنتما أشب مني سنا وأوعى للحديث مني قال فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم قال فقال له أبو العالية تحدث هذين حديثك قال حدثنا عقبة بن مالك قال أبو النضر الليثي قال بهز وكان من رهطه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قال فأغارت على قوم قال فشذ من القوم رجل قال فأتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه قال فقال الشاذ من القوم إني مسلم قال فلم ينظر فيما قال فضربه فقتله قال فنمى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقال فيه قولا شديدا فبلغ القاتل قال فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل يا رسول الله والله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل قال فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته ثم قال أيضا يا رسول الله ما قال الذي قال الا تعوذا من القتل فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته ثم لم يصبر فقال الثالثة يا رسول الله والله ما قال الا تعوذا من القتل فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه قال له إن الله عز و جل أبى علي من قتل مؤمنا ثلاث مرات

[السنن الكبرى - للنسائي] (5/ 175) 8593- أخبرني أحمد بن يحيى الكوفي الصوفي قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال أتينا بشر بن عاصم الليثي فقال حدثنا عقبة بن مالك وكان من رهطه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم فشذ من القوم رجل واتبعه رجل من السرية معه السيف شاهرة فقال الشاذ من القوم إني مسلم فلم ينظر إلى ما قال فضربه فقتله فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا فأعرض فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل والله ما كان الذي قال إلا تعوذا من القتل فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته ثم قال يا رسول الله والله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته ولم يصبر فقال الثالثة مثل ذلك فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه قال إن الله أبى علي الذي قتل مؤمنا ثلاث مرات

أحاديث ذات صلة