قَدِمْنَا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأربعٍ مَضَيْنَ من ذي الحِجَّةِ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَحِلُّوا واجعلوها عُمرةً فضاقتْ بذلكَ صُدورُنا وكَبُرَ علينا فبلغَ ذلكَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال يا أيُّها الناسُ أَحِلُّوا فلولا الهَدْيُ الذي معي لفعلتُ مثلَ الذي تفعلونَ فأحْلَلْنا حتى وطِئْنَا النساءَ وفعلنا ما يفعلُ الحلالُ حتى إذا كان يومُ التَّرويةِ وجعلنا مكةَ بظهرٍ لَبَّيْنَا بالحجِّ
أخرجه النسائي (2994) واللفظ له، وأصله في صحيح البخاري (7230)، ومسلم (1216)
الحَجُّ فريضةٌ مِن فرائِضِ الدِّينِ شَرَعَها اللهُ لحِكَمٍ عَظيمةٍ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بيانًا كاملًا بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكم، وبَيَّن صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه أنواعَ مَناسِك الحَجِّ، وهيَ ثَلاثةٌ: التَّمَتُّعُ، وهو: أن يُحرِمَ بعُمرةٍ مُفرَدةٍ في أشهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ يَتَحَلَّلَ مِنها تَحَلُّلًا كاملًا، ثُمَّ يُحرِمَ بالحَجِّ في نَفسِ العامِ.
والقِرانُ، وهو أن يُحرِمَ بالعُمرةِ والحَجِّ جميعًا في أشهُرِ الحَجِّ، والإفرادُ بأن يُحرِمَ بالحَجِّ فقَط، والمُحرِمُ مُخَيَّرٌ في فِعلِ أيِّ واحِدٍ مِنها، ولمَّا حَجَّ الصَّحابةُ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَجَّةِ الوداعِ أمَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَن لم يَسُقِ الهَديَ أن يُحِلَّ ويَعتَمِرَ، ثُمَّ بَعدَ ذلك يُحرِمَ بالحَجِّ يَومَ الثَّامِنِ مِن ذي الحِجَّةِ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ جابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما: قَدِمنا، أي: الصَّحابةُ، مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: في سَفَرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للحَجِّ فخَرَجوا مَعَه مِنَ المَدينةِ إلى مَكَّةَ مُلَبِّينَ بالحَجِّ، حتَّى قدِموا مَكَّةَ لأربَعٍ مَضَينَ مِن ذي الحِجَّةِ، أي: وصَلوا في اليَومِ الرَّابِعِ مِن شَهرِ ذي الحِجَّةِ، فقال لهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَما وصَلوا: أحِلُّوا واجعَلوها عُمرةً، أي: الحَجَّةَ التي أحرَمتُم بها افسَخوها إلى عُمرةٍ بحَيثُ تَطوفونَ بالبَيتِ وتَسعَونَ بَينَ الصَّفا والمَروةِ، ثُمَّ تَحلِقونَ رؤوسَكم وتَتَحَلَّلونَ مِنَ الإحرامِ، وإنَّما أمرَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك لكَونِهم لم يَسوقوا مَعَهمُ الهَديَ؛ فإنَّ مَن ساق الهَديَ لا يَحِلُّ حتَّى يَنحَرَ هَديَه في مَحِلِّه، فضاقَت بذلك صُدورُنا وكَبُر علينا، أي: شَقَّ علينا التَّحَلُّلُ، فبَلَغَ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: وصَلَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَحَرُّجُ الصَّحابةِ مِنَ التَّحَلُّلِ بعَمَلِ عُمرةٍ، فقال لهم: يا أيُّها النَّاسُ، أحِلُّوا، أي: مِنَ الإحرامِ بعَمَلِ العُمرةِ، فلَولا الهَديُ الذي مَعي، أي: لولا أنِّي سُقتُ الهَديَ مَعي لفعَلتُ مِثلَ الذي تَفعَلونَ، أي: لكُنتُ أحلَلتُ بعُمرةٍ كَما أمَرتُكُم.
يَقولُ جابِرٌ: فأحلَلنا، أي: عِندَ ذلك أحَلَّ الصَّحابةُ بعُمرةٍ، فأتَوا بأَعمالِ العُمرةِ وحَلُّوا مِنها تَحَلُّلًا كامِلًا، حتَّى وَطِئنا النِّساءَ، أي: جامَعَ الرِّجالُ زَوجاتِهم، وفَعَلنا ما يَفعَلُ الحَلالُ، أي: مِثلَ ما يَفعَلُ غَيرُ المُحرِمِ، والمَقصودُ بذلك بَيانُ أنَّهم تَحَلَّلوا تَحَلُّلًا كامِلًا.
يَقولُ جابِرٌ: حتَّى إذا كان يَومُ التَّرويةِ.
وهو اليَومُ الثَّامِنُ مِن ذي الحِجَّةِ، وسُمِّي بيَوم التَّرويةِ؛ لأنَّهم كانوا يَروونَ فيها إبِلَهم، ويَتَرَوَّونَ مِنَ الماءِ؛ لأنَّ تلك الأماكِنَ لم تَكُنْ إذ ذاكَ فيها آبارٌ ولا عُيونٌ، ويَكونُ الحُجَّاجُ في اليَومِ الثَّامِنِ في مِنًى، وجَعَلنا مَكَّةَ بظَهرٍ، أي: وراءَهم خَلفَ ظُهورِهم، لبَّينا بالحَجِّ، أي: أنَّهم أحرَموا بالحَجِّ بَعدَ خُروجِهم مِن مَنازِلِهم، وتَوجُّهِهم إلى مِنًى.
وفي الحَديثِ بَيانُ وقتِ قُدومِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى مَكَّةَ عِندَما أرادَ الحَجَّ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّمَتُّعِ بالحَجِّ.
وفيه مَشروعيَّةُ فَسخِ الحَجِّ إلى العُمرةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ العُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ.
وفيه امتِثالُ الصَّحابةِ لأمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه أنَّ المُتَمَتِّعَ بالحَجِّ يُهِلُّ في اليَومِ الثَّامِنِ مِن ذي الحِجَّةِ .
[سنن النسائي] (5/ 248) 2994- أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا عبد الملك، عن عطاء، عن جابر قال: ((قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربع مضين من ذي الحجة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحلوا واجعلوها عمرة، فضاقت بذلك صدورنا، وكبر علينا.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أيها الناس أحلوا، فلولا الهدي الذي معي لفعلت مثل الذي تفعلون.
فأحللنا حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما يفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر لبينا بالحج)).
[صحيح البخاري] (9/ 83) 7230- حدثنا الحسن بن عمر، حدثنا يزيد، عن حبيب، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: ((كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبينا بالحج، وقدمنا مكة لأربع خلون من ذي الحجة، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نطوف بالبيت وبالصفا والمروة، وأن نجعلها عمرة ولنحل، إلا من كان معه هدي، قال: ولم يكن مع أحد منا هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة، وجاء علي من اليمن معه الهدي، فقال: أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لحللت.
قال: ولقيه سراقة وهو يرمي جمرة العقبة، فقال: يا رسول الله، ألنا هذه خاصة؟ قال: لا، بل لأبد.
قال: وكانت عائشة قدمت مكة وهي حائض، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنسك المناسك كلها، غير أنها لا تطوف ولا تصلي حتى تطهر، فلما نزلوا البطحاء، قالت عائشة: يا رسول الله، أتنطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بحجة؟ قال: ثم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن ينطلق معها إلى التنعيم، فاعتمرت عمرة في ذي الحجة بعد أيام الحج)).
[صحيح مسلم] (2/ 883 ) ((141- (1216) وحدثني محمد بن حاتم.
حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج.
أخبرني عطاء.
قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، في ناس معي.
قال
أهللنا، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بالحج خالصا وحده.
قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة.
فأمرنا أن نحل.
قال عطاء: قال ((حلوا وأصيبوا النساء)).
قال عطاء: ولم يعزم عليهم.
ولكن أحلهن لهم فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا.
فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني! قال يقول جابر بيده (كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها) قال فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا.
فقال: ((قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم.
ولولا هديي لحللت كما تحلون.
ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي.
فحلوا)) فحللنا وسمعنا وأطعنا.
قال عطاء: قال جابر فقدم علي من سعايته.
فقال ((بم أهللت؟)) قال: بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فأهد وامكث حراما)) قال: وأهدى له علي هديا.
فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال ((لأبد)).
142- (1216) حدثا ابن نمير.
حدثي أبي.
حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
قال
أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج.
فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة.
فكبر ذلك علينا.
وضاقت به صدورنا.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس! فقال: ((أيها الناس! أحلوا.
فلولا الهدي الذي معي، فعلت كما فعلتم)) قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء.
وفعلنا ما يفعل الحلال.
حتى إذا كان يوم التروية،، وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج.
143- (1216) وحدثنا ابن نمير.
حدثنا أبو نعيم.
حدثنا موسى بن نافع.
قال
قدمت مكة متمتعا بعمرة.
قبل التروية بأربعة أيام.
فقال الناس: تصير حجتك الآن مكية.
فدخلت على عطاء بن أبي رباح فاستفتيته.
فقال عطاء: حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهم؛ أنه حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ساق الهدي معه.
وقد أهلوا بالحج مفردا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحلوا من إحرامكم.
فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة.
وقصروا.
وأقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج.
واجعلوا التي قدمتم بها متعة)).
قالوا: كيف جعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال
((افعلوا ما آمركم به.
فإني لولا أني سقت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم به.
ولكن لا يحل مني حرام.
حتى يبلغ الهدي محله)) ففعلوا.
144- (1216) وحدثنا محمد بن معمر بن ربعي القيسي.
حدثنا أبو هشام المغيرة بن سلمة المخزومي عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
قال
قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج.
فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة.
ونحل.
قال: وكان معه الهدي.
فلم يستطع أن يجعلها عمرة.