عِياضُ بنُ غطيف قال: دخَلْنا على أبِي عُبَيدةَ نعُودُه مِن شَكوى أصابَتْه فقُلنا: كيفَ باتَ أبو عُبَيدةَ؟ فقالتِ امرأتُه نحيفة: لقد بات بأجرٍ، فقال أبو عُبَيدةَ: ما بِتُّ بأجرٍ، سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَنِ ابتَلاهُ اللهُ ببِلاءٍ في جسدِه فهو له حِطَّةٌ.
الدُّنيا دارُ بَلاءٍ وامتِحانٍ، يَتَعَرَّضُ المَرءُ المُسلِمُ فيها للمَصائِبِ والأَمراضِ، ولكِن مِن رَحمةِ اللهِ تعالى أن جَعلَ كُلَّ ما يُصيبُ المُسلِمَ في الدُّنيا له فيه أجرٌ وكَفَّارةٌ؛ ولهذا يَنبَغي للمُسلِمِ أن يَصبِرَ ويَحتَسِبَ على ما يُصيبُه مِن هذه الأمراضِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عياضُ بنُ غُطَيفٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، فيَقولُ: دَخَلنا على أبي عُبَيدةَ بنِ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عنه، نَعودُه، أي: نَزورُه، مِن شَكوى أصابَته، أي: مِن مَرَضٍ وقَعَ به، فسَأَلوا عَن حالِه، فقالوا: كَيف باتَ أبو عُبَيدةَ؟ أي: كَيف حالُ أبي عُبَيدةَ؟ فقالتِ امرَأةُ أبي عُبَيدةَ -واسمُها تُحَيفةُ، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّها كانت جالِسةً عِندَ رَأسٍ أبي عُبَيدةَ-: لقد باتَ بأَجرٍ، أي: أنَّه باتَ مَأجورًا على ما أصابَه مِن هذا المَرَضِ.
فقال أبو عُبَيدةَ: ما بِتُّ بأَجرٍ! أي: ليسَ ما قُلتِ؛ وذلك لأنَّه سَمِعَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: مَنِ ابتَلاه اللهُ ببَلاءٍ، أي: أصابَه اللهُ ببَلاءٍ، في جَسَدِه، أي: بَدَنِه، فهو له حِطَّةٌ، أي: فهذا البَلاءُ يَحُطُّ اللهُ عَنه ويُزيلُ مِنَ الذُّنوبِ التي عليه، وفي هذا بَيانٌ بأنَّ أبا عُبَيدةَ رَضِيَ اللهُ عنه كان يَرى أنَّ الأجرَ لا يُحَصَّلُ بمُجَرَّدِ حُصولِ المُصيبةِ، بَل إنَّما يَحصُلُ بها التَّكفيرُ للذُّنوبِ فقَط، وكَأنَّه لم يَسمَعِ الحَديثَ الذي صَرَّحَ فيه بالأَجرِ لمَن أصابَته المُصيبةُ، أو سَمِعَه وحَمَلَه على التَّقييدِ بالصَّبرِ، والذي نَفاه مُطلَقُ حُصولِ الأجرِ العاري عَنِ الصَّبرِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ عيادةِ المَريضِ.
وفيه بَيانُ أنَّ البَلاءَ الذي يُصيبُ الإنسانَ يَكونُ كَفَّارةً وحَطًّا له مِن ذُنوبِه .