أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعثَ سرِيَّةً فغنِمُوا وفيهِمْ رجلٌ فقال لهمْ إنِّي لستُ مِنهمْ عشِقْتُ امرأًة فلحقْتَها فدَعُوني أنظرْ إليها نظرةً ثم اصنعُوا بِي ما بدا لكمْ فنَظَرُوا فإذا امرأةٌ طويلةٌ أدْماءُ فقال لها أسلِمِي حُبيْشُ قبلَ نفاذِ العيشِ أرأيتِ لوْ تبعتُكمْ فلحقتُكمْ بحِليةٍ أوْ أدركتُكمْ بالخوانِقِ أمَا كان حقٌّ أنْ يُنوَّلَ عاشِقٌ تكلَّفَ إِدلاجَ السُّرَى والودائِقِ قالَتْ نعمْ فديتُكَ فقدِّموهُ فضربُوا عُنُقَهُ فجاءَتِ المرأةُ فوقَفتْ عليه فشهِقَتْ شهْقةً ثُمَّ ماتتْ فلَمَّا قدِمُوا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُخبِرَ بذلكَ فقال أمَا كان فيكُمْ رجلٌ رَحيمٌ
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (8610)، والطبراني (12037) (11/ 369)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/ 117) باختلاف يسير.
الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ مِن أفضَلِ الأعمالِ عِندَ اللهِ تعالى؛ لِما فيه مِن إعلاءِ كَلِمةِ اللهِ تعالى، ونَشرِ دينِه، ونُصرةِ المَظلومينَ المُستَضعَفينَ، ورَدِّ عُدوانِ المُعتَدينَ الظَّالِمينَ، ولِما فيه مِن بَذلِ النَّفسِ والمالِ في سَبيلِ اللهِ تعالى، وقد جاءَتِ الآياتُ والأحاديثُ الكَثيرةُ في بَيانِ فَضلِه وفَضلِ المُجاهِدينَ، ومِنَ الأحكامِ المُتَعَلِّقةِ بالجِهادِ ما يَتَعَلَّقُ بأحكامِ الأسرى، بأَن يَأسِرَ المُسلِمونَ أسرى مِنَ الكُفَّارِ، وكذلك العَكسُ، والمَشروعُ في حُكمِ الأسيرِ أربَعةُ أشياءَ: إمَّا أن يُقتَلَ، أو يُفادى بمِثلِه مِن أسرى المُسلِمينَ، أو بالمالِ، أو يَكونَ عبدًا، أو يُمَنَّ عليه ويُخلَّى سَبيلُه، وقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصنَعُ جَميعَ ذلك؛ فقَتَلَ بَعضَ الأسرى، وفادى بَعضَهم بالرِّجالِ، وفادى بَعضَهم بالمالِ، وجَعَلَ بَعضَهم عبيدًا، ومَنَّ على بَعضِهم، وفي هذا الحَديثِ يَحكي عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ، أي: أرسَلَ، سَريَّةً، والسَّريَّةُ: طائِفةٌ مِنَ الجَيشِ يَبلُغُ أقصاها أربَعَمِائةِ شَخصٍ تُبعَثُ إلى العَدوِّ.
فغَنِموا.
والغَنيمةُ: هيَ ما يَأخُذُه المُقاتِلونَ مِن أموالِ أهلِ الحَربِ ونِسائِهم، وفيهم، أي: القَومِ الذينَ أسَرَهمُ المُسلِمونَ، رَجُلٌ، فقال للمُسلِمينَ: إنِّي لستُ مِنهم، أي: إنَّني لستُ مِن هؤلاء القَومِ الذينَ أسَرتُموهم، وإنَّما أنا رَجُلٌ خارِجٌ عَنهم عَشِقتُ، أي: أحبَبتُ، امرَأةً مِنهم فلَحِقتُها، أي: أتَيتُ إليها في ديارِها، فدَعُوني أنظُرْ إليها نَظرةً، أي: فأطلُبُ مِنكُم طَلَبًا واحِدًا، أن تَترُكوني أنظُرُ إلى تلك المَرأةِ التي عَشِقتُها، ثُمَّ اصنَعوا بي ما بَدا لكُم! أي: ثُمَّ بَعدَ ذلك لكُمُ الحَقُّ أن تَفعَلوا بي ما تشاؤون! فنَظَروا فإذا امرَأةٌ طَويلةٌ أدماءُ، أي: نَظَر القَومُ في المَرأةِ التي أرادَها الرَّجُلُ، فإذا صِفتُها أنَّها امرَأةٌ طَويلةٌ أَدْماءُ! والأُدْمةُ: سُمرةٌ شَديدةٌ تَكونُ في البَشَرةِ، فقال الرَّجُلُ مُخاطِبًا المَرأةَ عِندَما نَظَرَ إليها: أسْلِمي حُبَيْش -ولعَلَّه اسمُ المَرأةِ- قَبلَ نَفادِ العَيْشِ، أي: يَطلُبُ اللِّقاءَ بها قَبلَ انتِهاءِ العَيشِ، ويَقصِدُ بذلك مَوتَه.
أرَأَيتِ لو تَبعتُكُم فلَحِقتُكُم، أي: أدرَكَتُكُم، بحَلْيةَ، وهو اسمُ مَكانٍ بناحيةِ اليَمَنِ، وقيلَ: مَوضِعٌ بنواحي الطَّائِفِ، أو أدرَكَتكُم بالخَوانِقِ.
وهيَ جَمعُ خانِقٍ، وهو شِعبٌ ضَيِّقٌ في أعلى الجَبَلِ.
أمَا كان حَقٌّ أن يُنَوَّلَ عاشِقٌ، أي: يَنالَ عاشِقٌ، تكَلَّف، أي: تَعِبَ، إدلاجَ السُّرى.
الإدلاجُ والسُّرى هما سَيرُ اللَّيلِ، أي: مَشى في اللَّيلِ وتابَعَ المَشيَ، والودائِقِ.
جَمعُ وديقةٍ، وهيَ شِدَّةُ الحَرِّ.
ومَعنى الأبياتِ: أنَّه يُخاطِبُ المَرأةَ ويَقولُ لها: أمَا كان له حَقٌّ مَن قَطَعَ المَسافاتِ وتابَعَ السَّيرَ في اللَّيلِ وفي النَّهارِ في شِدَّةِ الحَرِّ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ حتَّى يُدرِكَها ويَنظُرَ إليها؟ فقالت له المَرأةُ: نَعَم، فدَيتُكَ، أي: حَقَّ لك ذلك، فأنا أفديك بروحي، ثُمَّ إنَّهم قَدَّموا هذا الرَّجُلَ فضَرَبوا عُنُقَه، أي: حتَّى ماتَ، فجاءَتِ المَرأةُ فوقَفَت عليه، أي: على ذلك الرَّجُلِ، وفي رِوايةٍ: وقَعَت عليه، فشَهَقَت شَهقةً.
الشَّهيقُ: هو إدخالُ النَّفَسِ إلى الرِّئَتَينِ، ويُطلَقُ أيضًا على الصَّوتِ الشَّديدِ، أي: أخَذَت نَفسًا شَديدًا بصَوتٍ حُزنًا وأسَفًا على قَتلِهم هذا الرَّجُلَ العاشِقَ، ثُمَّ ماتَت، أي: ماتَتِ المَرأةُ فوقَ الرَّجُلِ، فلَمَّا قَدِموا، أي: رَجَعَ أصحابُ السَّريَّةِ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُخبِرَ بذلك، أي: أخبَروا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقِصَّةِ الرَّجُلِ والمَرأةِ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَا كان فيكُم رَجُلٌ رَحيمٌ، أي: هَلَّا وُجِدَ بَينَكُم رَجُلٌ يَرحَمُ هذه المَرأةَ، فيُخَلِّي لها ذلك الرَّجُلَ ولا يَقتُلُه! وفي الحَديثِ بَيانُ شِدَّةِ تعَلُّقِ الرِّجالِ بالنِّساءِ.
وفيه بَيانُ أنَّ الحُبَّ الشَّديدَ قد يُؤَدِّي إلى المَوتِ.
وفيه مَشروعيَّةُ قَتلِ الأسيرِ دونَ الرُّجوعِ إلى الإمامِ.
وفيه أخلاقُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورَحمتُه للعالَمينَ .