كان يهوديٌّ قد سكنَ مكةَ ، فلما كانت الليلةُ التي وُلدَ فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: يا معشرَ قريشٍ هل وُلدَ فيكم الليلةَ مولودٌ ؟ قالوا: لا نعلمُ قال: فإنه وُلدَ في هذه الليلةِ نبيُّ هذه الأمةِ، بين كتفيْه علامةٌ ، لا يرضعُ ليلتيْن لأن عفريتًا من الجنِّ وضع يدَه على فمِه ، فانصرَفوا فسألوا فقيل لهم: قد وُلدَ لعبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلبِ غلامٌ، فذهبَ اليهوديُّ معهم إلى أمِّه فأخرجتْه لهم، فلما رأى اليهوديُّ العلامةَ خرَّ مغشيًّا عليه وقال: ذهبت النبوةُ من بني إسرائيلَ يا معشرَ قريشٍ أما واللهِ ليَسْطُوَنَّ بكم سَطْوةً يخرجُ خبرُها من المشرقِ والمغربِ.

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - علامات النبوة# إيمان - أعمال الجن والشياطين# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - صفة النبي وأمته في كتب أهل الكتاب# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - خاتم النبوة في ظهره# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - صفة خلقة النبي
المصدر: فتح الباري لابن حجر
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه الحاكم (4177)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (1/ 108)، وابن إسحاق كما في ((البداية والنهاية لابن كثير)) (2/ 267) واللفظ لهم تامًا.

الشرح والتوضيح

قدَّمَ اللهُ تعالى لنُبوَّةِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَلالاتٍ وعَلاماتٍ كَثيرةً تَدُلُّ على نُبوَّتِه مِن قَبلِ أن يولَدَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأثناءَ ولادَتِه، ثُمَّ عَلاماتٍ ودَلالاتٍ في بَقيَّةِ عُمرِه مُنذُ أن كان طِفلًا ثُمَّ شابًّا حتَّى بَعَثَه وهو في سِنِّ الأربَعينَ، ومِنَ الدَّلالاتِ أيضًا أنَّه مَذكورٌ صِفتُه في الكُتُبِ السَّابِقةِ، وفي هذا الحَديثِ تَقولُ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها: كان يَهوديٌّ قد سَكَنَ مَكَّةَ، أي: أيَّامَ الجاهليَّةِ، وجاءَ في رِوايةٍ: أنَّه سَكَنَها يَبيعُ فيها تِجاراتٍ له، فلَمَّا كانتِ اللَّيلةُ التي وُلِدَ فيها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال اليَهوديُّ لقُرَيشٍ: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، هَل وُلِدَ فيكُمُ اللَّيلةَ مَولودٌ؟ أي: أنَّ اليَهوديَّ رَأى عَلاماتٍ تَدُلُّ على ولادةِ مَولودٍ عَظيمٍ؛ ولذلك سَأَلَ قريشًا عَن ذلك.

فقالت له قُرَيشٌ: لا نَعلَمُ، أي: ليسَ لنا عِلمٌ بذلك.

فقال اليَهوديُّ: فإنَّه وُلِدَ في هذه اللَّيلةِ نَبيُّ هذه الأُمَّةِ! أي: اعلَموا أنَّه قد وُلِدَ نَبيُّ هذه الأُمَّةِ، وهيَ آخِرُ الأُمَمِ، وهو نَبيُّ آخِرِ الزَّمانِ، بَينَ كَتِفَيه عَلامةٌ، والكَتِفُ: عَظمٌ عَريضٌ خَلفَ المَنكِبِ، والمَعنى: أنَّه يوجَدُ فيه عَلامةُ النُّبوَّةِ، لا يَرضَعُ ليلَتَينِ، أي: لن يَستَطيعَ الرَّضاعةَ مِن أمِّه ليلَتَينِ؛ لأنَّ عِفريتًا مِنَ الجِنِّ، والعِفريتُ: هو الخَبيثُ المُنكَرُ، وَضَع يَدَه على فَمِه، أي: أنَّ هذا العِفريتَ وَضَع يَدَه على فمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَمنَعَه مِنَ الرَّضاعةِ، يُريدُ بذلك القَضاءَ عليه.

فانصَرَفوا فسَأَلوا، أي: انصَرَفت قُرَيشٌ بَعدَ سَماعِهم كَلامَ هذا اليَهوديِّ يَسأَلونَ عمَّن وُلِد في تلك اللَّيلةِ، فقيلَ لهم: قد وُلِدَ لعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ غُلامٌ، أي: نَعَم، قد وُلِدَ في هذه اللَّيلةِ غُلامٌ، وهو ولدٌ لعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ.

ثُمَّ إنَّهم أخبَروا اليَهوديَّ بذلك، فذَهَبَ اليَهوديُّ مَعَهم إلى أمِّه، أي: إلى أمِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آمِنةَ بنتِ وَهبٍ، حتَّى يَنظُرَ في هذا الغُلامِ: هَل فيه تلك العَلاماتُ أم لا؟ فأخرَجَته لهم، أي: أخرَجَت آمِنةُ ولَدَها للقَومِ، فلَمَّا رَأى اليَهوديُّ العَلامةَ، أي: العَلامةَ التي بَينَ كَتِفَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتحَقَّق أنَّه هو نَبيُّ آخِرِ الزَّمانِ، خَرَّ، أي: سَقَطَ اليَهوديُّ على الأرضِ، مَغشيًّا عليه، أي: مُغمًى عليه، ثُمَّ قال: ذَهَبَتِ النُّبوَّةُ مِن بَني إسرائيلَ، أي: أنَّ الأنبياءَ كانوا مِن بَني إسرائيلَ، أي: مِن بَعدِ يَعقوبَ عليه السَّلامُ، وكان اليَهودُ يَعلَمونَ أنَّه سيُبعَثُ نَبيٌّ في آخِرِ الزَّمانِ ويَظُنُّونَه مِنهم، فلَمَّا رَأى عَلاماتِ النُّبوَّةِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَبَيَّنَ له أنَّ النُّبوَّةَ خَرَجَت مِن بَني إسرائيلَ وأصبَحَت للعَرَبِ بَني إسماعيلَ، ثُمَّ قال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، أما واللهِ ليَسْطُوَنَّ بكُم سَطوةً! السَّطوُ: أصلُه القَهرُ والبَطشُ، أي: ليَغلِبنَّكُم غَلَبةً وقَهرًا، يَخرُجُ خَبَرُها، أي: خَبَرُ هذه السَّطوةِ، مِنَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، أي: يَظهَرُ ويَنتَشِرُ قوَّتُه ودينُه في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها.

وفي الحَديثِ بَيانُ ما أكرَمَ اللَّهُ به نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الدَّلالاتِ والعَلاماتِ قَبلَ نُبوَّتِه.

وفيه بَيانُ خُبثِ الجِنِّ ومُحاولَتِهمُ القَضاءَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أثناءَ ولادَتِه.

وفيه مَعرِفةُ اليَهودِ بعَلاماتِ نَبيِّ آخِرِ الزَّمانِ.

وفيه بَيانُ انتِقالِ النُّبوَّةِ مِن بَني إسرائيلَ إلى العَرَبِ.

وفيه بَيانُ تمكُّنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتَمَكُّنِ دينِه وظُهورِه في الأرضِ .

أحاديث ذات صلة