كُنتُ رَدِيفَ أبي طَلْحةَ يومَ خَيْبَرَ قال: ووقَعَت في سَهْمِ دِحْيَةَ جاريةٌ جميلةٌ، فاشتراها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسَبْعةِ أرؤُسٍ، فجعل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَلِيمَتَها التَّمْرَ والأَقِطَ والسَّمْنَ.

قال: وقال النَّاسُ: ما ندري أتزوَّجَها أم جعَلَها أمَّ وَلَدٍ؟ فقالوا: إنْ حَجَبها فهي امرأتُه، وإن لم يحْجُبْها فهي أمُّ وَلَدٍ.

فلمَّا أراد أن يركَبَ حَجَبَها حتى قعَدَت على عَجُزِ البَعيرِ، قال: فعَرَفوا أنَّه تزَوَّجَها.

الدلالات الموضوعية:# مغازي - غزوة خيبر# مناقب وفضائل - أبو طلحة# مناقب وفضائل - أنس بن مالك# نكاح - وليمة النكاح# مناقب وفضائل - صفية بنت حيي
المصدر: الأوسط لابن المنذر
الراوي: أنس
المحدث: ابن المنذر
الحكم:ثابت

الشرح والتوضيح

زَوجاتُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَهنَّ فَضلٌ كَبيرٌ على سائِرِ النِّساءِ؛ فهنَّ أُمَّهاتُ المُؤمِنينَ، وأثنى اللهُ تعالى عليهنَّ في القُرآنِ الكَريمِ، فقال سُبحانَه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [الأحزاب: 33] ، ومِن خَصائِصِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ اللَّهَ تعالى أباحَ له الزَّواجَ بأكثَرَ مِن أربَعٍ، وذلك لحِكَمٍ كَثيرةٍ ومَصالِحَ عَظيمةٍ، فتَزَوَّجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عِدَّةِ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ، ومِن ذلك أنَّه تَزَوَّجَ ببِنتِ أحَدِ اليَهودِ، وهيَ: صَفيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ رَضِيَ اللهُ عنها، وفي هذا الحَديثِ يُبَيِّنُ أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه كَيفيَّةَ زَواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بصَفيَّةَ، فيَقولُ: كُنتُ رَديفَ، أي: خَلفَ، أبي طَلحةَ، وهو زَوجُ أُمِّه، يَومَ خَيبَرَ، أي: يَومَ قِتالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليَهودِ خَيبَرَ في السَّنةِ السَّابِعةِ للهِجرةِ، وانتَصَرَ عليهم، فوقَعَت في سَهمِ، أي: نَصيبِ، دِحْيةَ الكَلبيِّ جاريةٌ جَميلةٌ.

وهيَ صَفيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ، والمَعنى: أنَّهم لَمَّا اقتَسَموا غَنائِمَ خَيبَرَ كانت صَفيَّةُ مِن نَصيبِ دِحيةَ الكَلبيِّ، فاشتَراها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسَبعةِ أرؤُسٍ، أي: اشتَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صَفيَّةَ بسَبعةِ أشخاصٍ حتَّى يَقبَلَ دِحْيةَ أن يُعطيَها لَه، وفي رِوايةٍ: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لَه: خُذْ جاريةً مِنَ السَّبيِ غَيرَها، ولَعَلَّ دِحيةَ لَم يَرضَ بذلك؛ لأنَّ صَفيَّةَ كانت سَيِّدةً في قَومِها وبِنتَ رَئيسِهم، فعَوَّضَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسَبعةِ أرؤُسٍ، فوافقَ دِحْيةُ وأصبَحَت صَفيَّةُ مِلكًا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَعَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وليمَتَها، أي: وليمةَ الدُّخولِ بها، التَّمرَ، والأقِطَ -وهو لَبَنٌ مُجَفَّفٌ يابِسٌ مُستَحجِرٌ يُطبَخُ به- والسَّمنَ.

فقال النَّاسُ: ما نَدري أتَزَوَّجَها أم جَعَلَها أمَّ وَلَدٍ؟ أي: لَم يَعرِفوا هَلِ اتَّخَذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صَفيَّةَ زَوجةً فأعتَقَها ثُمَّ تَزَوَّجَها، أم دَخَلَ بها وتَكونُ أمَّ ولَدٍ لَه؟ وأُمُّ الوَلَدِ هيَ الجاريةُ التي يَطَؤُها سَيِّدُها فتَأتي له بولَدٍ، وإذا ماتَ السَّيِّدُ أصبَحَت حُرَّةً.

فقال النَّاسُ: إن حَجَبَها فهيَ امرَأتُه، أي: إذا أسدَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على صَفيَّةَ الحِجابَ وحَجَبها عنِ النَّاسِ فهيَ زَوجةٌ، وإن لَم يَحجُبْها فهيَ أمُّ ولَدٍ، أي: إذا لم يَحجُبْها عن النَّاسِ فهيَ أمُّ ولَدٍ، وذلك لِما عُرِف أنَّ الإماءَ لَسنَ كالحَرائِرِ في الاحتِجابِ والتَّسَتُّرِ، وجاءَ في رِوايةٍ: إن حَجَبَها فهيَ مِن أُمَّهاتِ المُؤمِنينَ، وإن لَم يَحجُبْها فهيَ مِمَّا مَلَكَت يَمينُه، فلَمَّا أرادَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَركَبَ ناقَتَه حَجَبها، أي: حَجَبَ صَفيَّةَ عنِ النَّاسِ، حتَّى قَعَدَت على عَجُزِ البَعيرِ، أي: حتَّى صَعِدَت وجَلَسَت في مُؤَخِّرةِ الجَمَلِ.

فعَرَف النَّاسُ أنَّه تَزَوَّجَها، أي: عِندَ ذلك تَبَيَّنَ لَهم أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد تَزَوَّجَ بصَفيَّةَ ولَم يَتَّخِذْها أمَّ وَلَدٍ، وقد جاءَ في رِوايةٍ: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعتَقَها، وجَعَلَ عِتقَها صَداقَها.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ شِراءِ العَبدِ بأكثَرَ مِن عَبدٍ، وأنَّه لا يَجري فيه رِبا الفَضلِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الوليمةِ دونَ اللَّحمِ.

وفيه بَيانُ أنَّ النِّساءَ الحَرائِرَ يَختَلِفنَ عنِ الإماءِ في التَّسَتُّرِ والِاحتِجابِ.

وفيه مَشروعيَّةُ رُكوبِ المَرأةِ على الجَمَلِ .

أحاديث ذات صلة