أنَّ أُمَّهُ - وكانتِ امرأةً من فزارةَ، فذَهَبت بِهِ إلى المدينةِ وَهوَ صبيٌّ، وَكَثرَ خطَّابُها وكانَت امرأةً جميلةً فجَعَلت تُقولُ لا أتزوَّجُ إلَّا مَن تَكْفَّلَ لي بابني هَذا فتزوَّجَها رَجلٌ علَى ذلِكَ فَلمَّا فَرضَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لغِلمانِ الأنصارِ لَم يفرِضْ لَهُ، كأنَّهُ استَصغَرَهُ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، لقَد فَرضتَ لصبيٍّ أنا أصرَعُهُ ولم تَفرِض لي قالَ صارِعهُ فصَرَعهُ، ففرضَ لَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ
لم نقف عليه إلا عند العيني في ((نخب الأفكار)) (208/12)
كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إمامًا للمُسلِمينَ، يَرعى مَصالِحَهم وشُؤونَهم، ويُقَسِّمُ بَينَهمُ الأموالَ التي تَأتي مِنَ الغَنائِمِ وغَيرِها، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُراعي في تَقسيمِه للأموالِ اختِلافَ أحوالِ النَّاسِ، وتَفاوُتَ حاجاتِهم، فيُعطي للكَبيرِ ولا يُعطي الصَّغيرَ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ سَمُرةَ بنَ جُندُبٍ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ أُمَّه -وكانتِ امرَأةً مِن فَزارةَ- أي: مِن قَبيلةِ فَزارةَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ذَهَبَت به، أي: بسَمُرةَ، إلى المَدينةِ وهو صَبيٌّ، أي: أنَّ والِدَه توُفِّيَ كَما جاءَ في الرِّوايةِ الأُخرى، وأصبَحَ يَتيمًا، وكَثُرَ خُطَّابُها، وكانتِ امرَأةً جَميلةً، أي: كَثُرَ الرَّاغِبونَ بالزَّواجِ مِنها لكَونِها جَميلةً، فجَعَلَت تَقولُ: لا أتَزَوَّجُ إلَّا مَن تَكَفَّل لي بابني هذا، أي: لَن أتَزَوَّجَ أحَدًا إلَّا برَجُلٍ يَتَكَفَّلُ بنَفَقةِ سَمُرةَ، وجاءَ في رِوايةٍ: حتَّى يَبلُغَ.
فتَزَوَّجَها رَجُلٌ على ذلك، أي: وافقَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحابةِ على الزَّواجِ بها والتَّكَفُّلِ بابنِها.
يَقولُ سَمُرةُ: فلَمَّا فرَضَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لغِلمانِ الأنصارِ لَم يَفرِضْ لَه، أي: لمَّا قَدَّرَ لغِلمانِ الأنصارِ أنصِباءَ مِنَ الغَنيمةِ ليَخرُجوا ويُقاتِلوا مَعَه الكُفَّارَ، جَعَلَ لكُلِّ شَخصٍ نَصيبًا مُعَيَّنًا، ولَم يَقسِمْ لسَمُرةَ، كَأنَّه استَصغَرَه، أي: رَآه صَغيرًا فلا يَستَحِقُّ أن يُقسَمَ لَه.
فقال سَمُرةُ: يا رَسولَ اللهِ، لَقد فرَضتَ لصَبيٍّ أنا أصرَعُه، ولَم تَفرِضْ لي! أي: إنَّك يا رَسولَ اللهِ قَسَمتَ لصَبيٍّ هو أصغَرُ مِنِّي ولَو ضارَبتُه وتَصارَعتُ أنا وهو لَصَرَعتُه ووضَعتُه على الأرضِ، ومَعَ ذلك لَم تَقسِمْ لي! والمَعنى: أنَّه إذا كُنتَ لَم تَفرِضْ لي لكَوني صَغيرًا فهذا الغُلامُ أصغَرُ مِنِّي، ومَعَ ذلك فرَضتَ لَه، فإمَّا أن تَفرِضَ لَنا جَميعًا أو لا تَفرِضَ لَنا جَميعًا.
وجاءَ في رِوايةٍ أُخرى: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى عليه وسَلَّمَ كان يَستَعرِضُ الغِلمانَ، فمَن رَآه مُطيقًا للقِتالِ أذِنَ له في الجِهادِ، فأَذِنَ للغُلامِ الأنصاريِّ ورَدَّ سَمُرةَ، فقال سَمُرةُ: رَدَدْتَني وأنا أصرَعُه! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لسَمُرةَ: صارِعْه، أي: تَعالَ فتَصارَعْ أنتَ وهذا الغُلامُ لنَرى مِصداقَ كَلامِك.
فصَرَعَه، أي: أنَّهما تَصارَعا فصَرَعَ سَمُرةُ ذلك الصَّبيَّ، ففرَضَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: لمَّا رَأى النَّبيُّ صَلَّى عليه وسَلَّمَ أنَّ سَمُرةَ صَرع الصَّبيَّ فرَضَ لَه، وفي هذا أنَّ الإمامَ له أن يَفرِضَ للصِّبيانِ إذا قدَروا على القِتالِ، ولا يُشتَرَطُ البُلوغُ في ذلك، فكَم مِن صَبيٍّ جَلدٍ قَويٍّ يَقدِرُ على ما لا يَقدِرُ عليه البالِغُ! وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الشُّروطِ في النِّكاحِ.
وفيه أنَّ تَقسيمَ الأموالِ بَينَ المُسلِمينَ راجِعٌ للإمامِ بما فيه المَصلَحةُ.
وفيه مَشروعيَّةُ المُصارَعةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ مُراجَعةِ الإمامِ إذا رَأى أحَدُ الرَّعيَّةِ أنَّه لَم يَأخُذْ حَقَّه .
نخب الأفكار (208/12) حدثنا أحمد بن مسعود الخياط، قال: حدثنا محمد بن عيسى الطباع، قال: ثنا هشيم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن سمرة بن جندب ، أن أمه –وكانت امرأة من فزارة فذهبت به إلى المدينة وهو صبي، وكثر خطابها وكانت امرأة جميلة، فجعلت تقول: لا أتزوج إلا من تكفل لي بابني هذا فتزوجها رجل على ذلك، فلما فرض النبي -عليه السلام- لغلمان الأنصار لم يفرض له كأنه استصغره، فقال: يا رسول الله لقد فرضت لصبي أنا أصرعه ولم تفرض لي، قال: صارعه، فصرعه، ففرض له النبي -عليه السلام-