عن قَيسِ بنِ عُبادٍ، قال: كُنتُ أَقْدَمُ المدينةَ ألْقى أُناسًا مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ، فكان أحَبَّهم إلَيَّ لِقاءً أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، قال: فقَدِمْتُ زمَنَ عُمرَ إلى المدينةِ، فأقاموا صَلاةَ الصُّبحِ، فخَرَج عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه، وخَرَج معه رِجالٌ، فإذا رجُلٌ مِنَ القومِ يَنظُرُ في وُجوهِ القومِ، فعَرَفَهم وأنْكَرَني، فدَفَعني، فقام مُقامي، فصَلَّيْتُ وما أعْقِلُ صَلاتي، فلمَّا صلَّى، قال: يا بُنَيَّ، لا يَسُوؤك اللهُ، إنِّي لم أفْعَلِ الَّذي فعَلْتُ لجَهالةٍ؛ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لنا: كُونوا في الصَّفِّ الَّذي يَلِيني، وإنِّي نظَرْتُ في وُجوهِ القومِ فعرَفْتُهم غيْرَك، وجلَسَ، فما رَأيتُ الرِّجالَ مَنَحَت أعناقَها إلى شَيءٍ مُتوجَّهَها إليه، فإذا هو أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، وكان فيما قال: هَلَكَ أهلُ العَقْدِ وربِّ الكعبةِ، هَلَكَ أهلُ العَقْدِ وربِّ الكعبةِ، واللهِ ما آسَى عليهم؛ إنَّما آسَى على مَن أُهلِكوا مِنَ المسْلِمين.
شَرَعَ الإسلامُ صَلاةَ الجَماعةِ لِما فيها مِنَ الأجرِ العَظيمِ، ولِما فيها مِنَ الفوائِدِ الكَثيرةِ على المُسلِمينَ، ولِصَلاةِ الجَماعةِ أحكامٌ تَتَعَلَّقُ بها، ومِن ذلك مَعرِفةُ كَيفيَّةِ تَرتيبِ الصُّفوفِ، ومَنِ الذي يَصُفُّ خَلفَ الإمامِ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ قَيسُ بنُ عُبادٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: كُنتُ أَقدَمُ المَدينةَ ألقى أُناسًا مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ، أي: كان يُسافِرُ إلى المَدينةِ فيَلقى بَعضَ الصَّحابةِ، فكان أحَبَّهم إليَّ لقاءً أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، أي: إنَّ أكثَرَ مَن يُحِبُّ أن يَلقاه أُبَيُّ بنُ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
يَقولُ: فقَدِمتُ زَمَنَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه إلى المَدينةِ، أي: سافرَ إلى المَدينةِ أيَّامَ خِلافةِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه، فدَخل المَدينةَ، ولَعَلَّه صادَفَهم أو وجَدَهم يُصَلُّونَ صَلاةَ الصُّبحِ، فأقاموا صَلاةَ الصُّبحِ، أي: أقامَ المُؤَذِّنُ لصَلاةِ الفَجرِ، فخَرَجَ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه، أي: جاءَ عُمَرُ ليُصَلِّيَ بالنَّاسِ صَلاةَ الفَجرِ، وخَرَجَ مَعَه رِجالٌ، أي: جاءَ مَعَه رِجالٌ أيضًا للصَّلاةِ، فإذا رَجُلٌ مِنَ القَومِ، أي: مِمَّن جاءَ مَعَ عُمَرَ، يَنظُرُ في وُجوهِ القَومِ، أي: يَنظُرُ في وُجوهِ المُصَلِّينَ وقد صَفُّوا في الصَّفِّ، فعَرَفَهم وأنكَرَني، أي: عَرَف القَومَ، ولَم يَعرِفْ قَيسَ بنَ عُبادٍ؛ لكَونِه مِن خارِجِ المَدينةِ، فدَفعَني، أي: أخرَجه مِنَ الصَّفِّ، فقامَ مَقامي، أي: في مَحَلِّي في الصَّفِّ الأوَّلِ، يَقولُ قَيسٌ: فصَلَّيتُ وما أعقِلُ صَلاتي، أي: ما تَأمَّلتُها لشِدَّةِ الغَضَبِ الذي صِرتُ فيه، أو لكَونِ ذلك الرَّجُلِ أخَّرَه عنِ الصَّفِّ الأوَّلِ فتَغَيَّر خاطِرُه، وتشَوَّش فِكرُه بذلك.
فلَمَّا صَلَّى، أي: لمَّا انتَهى ذلك الرَّجُلُ الذي دَفعَني مِن صَلاتِه قال لي، أي: لمَّا عَلِمَ تَأثُّرَه وغَضَبَه مِن فِعلِه مَعَه أرادَ أن يُبَيِّنَ له عُذرَه، فقال له: يا بُنَيَّ، لا يَسؤْك اللَّهُ، أي: لا يُنزِلِ اللهُ بك ما تَكرَهُه مِنَ السُّوءِ، وهو دُعاءٌ يُستَعمَلُ غالِبًا لتَسليةِ المُخاطَبِ إذا ساءَه أمرٌ، وكان يَتَوقَّعُ ما يَسوءُه، إنِّي لَم أفعَلِ الذي فعَلتُ لجَهالةٍ.
الجَهالةُ: الجَفاءُ والسَّفَهُ، وتُطلَقُ على ضِدِّ العِلمِ، أي: إنِّي لَم أدفَعْك مِنَ الصَّفِّ لجَفاءٍ وسَفهٍ مِنِّي، أو عَدَمِ مَعرِفتي بأحكامِ الصَّلاةِ، ولَكِنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لَنا، أي: للصَّحابةِ: كونوا في الصَّفِّ الذي يَليني، أي: عليكُم بأن تَقِفوا خَلفي في الصَّفِّ، بمَعنى أنَّ الذي يَليه هم أهلُ الفَضلِ.
يَقولُ الرَّجُلُ: وإنِّي نَظَرتُ في وُجوهِ القَومِ فعَرَفتُهم غَيرَك، أي: عَرَفتُهم، ولَم أعرِفْك؛ فلِذلك أخرجتُك.
وجَلَسَ، أي: ثُمَّ جَلَسَ الرَّجُلُ في مَكانٍ ما.
يَقولُ قَيسٌ: فما رَأيتُ الرِّجالَ مَتَحَت، أي: مَدَّت، أعناقَها، أي: رِقابَهم إلى شَيءٍ، مُتُوحَها إليه، أي: أنَّ النَّاسَ مَدُّوا أعناقَهم إلى ذلك الرَّجُلِ يُريدونَ السَّماعَ مِنه، فإذا هو أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، أي: أنَّ ذلك الرَّجُلَ الذي دَفعَني مِنَ الصَّفِّ هو أُبَيُّ بنُ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وكان فيما قال، أي: كان مِمَّا حَدَّثَ به أُبَيُّ بنُ كَعبٍ في ذلك المَجلِسِ للنَّاسِ: هَلَكَ أهلُ العُقَدِ، أي: أصحابُ الوِلاياتِ على الأمصارِ مِن عَقدِ الألويةِ للأُمَراءِ، ورَبِّ الكَعبةِ، هَلَكَ أهلُ العُقَدِ ورَبِّ الكَعبةِ.
والظَّاهرُ أنَّ أُبَيًّا رَضِيَ اللهُ عنه قال ذلك لمَّا رَأى مِن بَعضِ الأُمَراءِ انحِرافًا وظُلمًا للرَّعيَّةِ، وحَملًا للنَّاسِ الذينَ يولُّونَهم على موافقَتِهم في ذلك.
واللهِ ما آسى عليهم، أي: ما أحزَنُ على أهلِ العُقَدِ، وإنَّما آسى على مَن أهلَكوا مِنَ المُسلِمينَ، أي: حَزِنَ على مَن أضَلُّوهم مِمَّنِ اتَّبَعَهم على ضَلالَتِهم، وإنَّما حَزِنَ على هؤلاء دونَ الأوَّلينَ؛ لأنَّ الأوَّلينَ ضَلُّوا السَّبيلَ باختيارِهم، وأمَّا هؤلاء فرُبَّما يَكونونَ جُهَلاءَ، أو غَيرَ مُختارينَ، أو ألقَوا عليهمُ الشُّبهةَ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تقَدُّمِ أهلِ الفَضلِ في الصَّفِّ الأوَّلِ.
وفيه بَيانُ خُطورةِ ظُلمِ الوُلاةِ للرَّعيَّةِ .