أَنا زعيمٌ ، والزَّعيمُ الحميلُ لِمَن آمنَ بي ، وأسلمَ وَهاجرَ ببيتٍ في ربضِ الجنَّةِ ، وبيتٍ في وسطِ الجنَّةِ ، وأَنا زعيمٌ لمن آمنَ بي ، وأسلمَ ، وجاهدَ في سبيلِ اللَّهِ ، ببيتٍ في ربضِ الجنَّةِ ، وببيتٍ في وسطِ الجنَّةِ ، وببيتٍ في أعلى غرَفِ الجنَّةِ ، مَن فعلَ ذلِكَ فلَم يدَعْ للخَيرِ مَطلبًا ، ولا منَ الشَّرِّ مَهْربًا ، يموتُ حيثُ شاءَ أن يموتَ
الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ مِن أفضَلِ الأعمالِ عِندَ اللهِ تعالى؛ يَبذُلُ الإنسانُ نَفسَه ومالَه في سَبيلِ اللهِ، وقد جاءَتِ النُّصوصُ الكَثيرةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ بالتَّرغيبِ في الجِهادِ والحَثِّ عليه، وبَيانِ ما للمُجاهدِ في سَبيلِ اللهِ مِنَ الأجرِ العَظيمِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَقولُ: أنا زَعيمٌ، أي: ضامِنٌ ومُتَكَفِّلٌ، والزَّعيمُ: الحَميلُ.
فالحَميلُ: هو لُغةُ أهلِ المِصرِ، والكَفيلُ: لُغةُ أهلِ العِراقِ، والظَّاهرُ أنَّ تَفسيرَ الزَّعيمِ مُدرَجٌ مِن بَعضِ الرُّواةِ، أرادَ أن يُبَيِّنَ أنَّ الزَّعيمَ هو الضَّامِنُ الحَميلُ الكَفيلُ.
لمَن آمَنَ بي، أي: بقَلبِه فصَدَّقَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما جاءَ به، وأسلَمَ، أي: بظاهرِه فدَخَلَ في الإسلامِ وأدَّى حَقَّه، فأطاعَ اللَّهَ ورَسولَه، وفعَلَ الأوامِرَ وانتَهى عنِ النَّواهي، وحَفِظَ حُدودَ اللهِ، وهاجَرَ، أي: إلى المَدينةِ زَمانَ الهجرةِ، أو هاجَرَ إلى اللهِ وهَجَرَ ما نَهى اللهُ عنه، فتَرَكَ بَلَدَه مِن أجلِ اللهِ ورَسولِه.
ببَيتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ، أي: فيما حَولَها خارِجًا عنها، تَشبيهًا بالأبنيةِ التي تَكونُ حَولَ المُدُنِ، قيلَ: المُرادُ هنا ما حَولَ الجَنَّةِ الدَّاخِليُّ لا الخارِجيُّ؛ لأنَّ أهلَ الجَنَّةِ لا يَكونونَ خارِجَها.
وبِبَيتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، أي: وكذلك يَكونُ له بَيتٌ في وسَطِ الجَنَّةِ.
ثُمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وأنا زَعيمٌ لمَن آمَنَ بي، وأسلَمَ، وجاهَدَ في سَبيلِ اللهِ، أي: خَرَجَ غازيًا في قِتالِ العَدوِّ ابتِغاءَ مَرضاةِ اللهِ، ببَيتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ، وبِبَيتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، وبِبَيتٍ في أعلى غُرَفِ الجَنَّةِ، أي: في عاليَتِها، مَن فَعَل ذلك، أي: ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ باللهِ، والإسلامِ، والهجرةِ، والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ.
فلَم يَدَعْ، أي: لَم يَترُكْ، للخَيرِ مَطلَبًا، أي: مَحَلَّ طَلَبٍ، يعني أنَّه ما مِن مَكانٍ يُطلَبُ فيه الخَيرُ إلَّا حَضَرَه، وطَلَبَ فيه الخَيرَ وأخَذَ مِنه حَظَّه، ولا مِنَ الشَّرِّ مَهرَبًا، أي: ولَم يَترُكْ مَكانًا يُهرَبُ إليه مِنَ الشَّرِّ ويُلجَأُ إليه ويُعتَصَمُ به للخَلاصِ مِنه إلَّا هَرَبَ إليه واعتَصَمَ به، يَموتُ حَيثُ شاءَ أن يَموتَ، أي: أنَّه في أيِّ مَكانٍ ماتَ، سَواءٌ ماتَ في بَيتِه وبَينَ عَشيرَتِه، أو ماتَ خارِجًا في سَبيلِ اللهِ، فإنَّ له ما ذُكِرَ مِن غُرَفِ الجَنَّةِ، ولا خَوفٌ عليه.
وفي الحَديثِ فَضلُ مَن جَمَعَ بَينَ الإيمانِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والهِجرةِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ .