عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبزَى قال قال داودُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كنْ لليتيمِ كالأبِ الرحيمِ واعلمْ أنك كما تزرعُ تحصدُ ومثلُ المرأةِ الصالحةِ لبعلِها كالملكِ المتوجِ بالتاجِ المخوصِ بالذهبِ كلما رآها قرَّت بها عيناه ومثلُ المرأةِ السوءِ لبعلِها كالحِملِ الثقيلِ على الشيخِ الكبيرِ واعلمْ أن خطبةَ الأحمقِ في نادِي قومِه كمثلِ المغنِي عندَ رأسِ الميتِ ولا تعدَنَّ أخاك شيئًا ثم لا تُنجِزُه فتورثُ بينَك وبينَه عداوةٌ ونعوذُ باللهِ من صاحبٍ إن ذكرتَ اللهَ لم يعِنْك وإن نسيتَه لم يذكرْك وهو الشيطانُ واذكرْ ما تكرهُ أن يذكرَ منك في نادِي قومِك فلا تفعلْه إذا خلوتَ
الأنبياءُ السَّابِقونَ عليهمُ السَّلامُ مُؤَيَّدونَ بالوَحيِ، وقد جاءَ عن بَعضِهم كَلِماتٌ فيها مَواعِظُ ونَصائِحُ وعِبَرٌ وآدابٌ ورَدَت، مَضمونُها في الآياتِ القُرآنيَّةِ والأحاديثِ النَّبَويَّةِ، ومِمَّا جاءَ مِن كَلامِ الأنبياءِ السَّابِقينَ ما أخبَرَ به عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أَبزى، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، عن نَبيِّ اللهِ داودَ عليه السَّلامُ: أنَّه أوصى ابنَه سُلَيمانَ عليه السَّلامُ كَما في رِوايةٍ أُخرى، فقال لَه: كُنْ لليَتيمِ كالأبِ الرَّحيمِ.
اليَتيمُ: هو مَن فقَدَ أباه ولَم يَتَجاوَزْ سِنَّ البُلوغِ، والمَعنى: عليك بالعَطفِ على اليَتيمِ والرَّحمةِ به والإحسانِ إليه؛ لأنَّه فقَدَ مَن يَعطِفُ عليه ويَرعاه.
واعلَمْ أنَّك كَما تَزرَعُ تَحصُدُ، أي: أنَّ ما تَعمَلُه مِن عَمَلٍ يَعودُ جَزاءُ ذلك العَمَلِ عليك، فكَما أنَّك إذا زَرَعتَ زَرعًا طَيِّبًا أنبَتَ ذلك لَك نَباتًا طَيِّبًا، فكذلك إذا عَمِلتَ عَمَلًا طَيِّبًا وصالِحًا كان ثَوابُه وجَزاؤُه لَك، وفائِدَتُه عائِدةً عليك.
وكَما إذا زَرَعتَ زَرعًا خَبيثًا أنبَتَ لَك نَباتًا خَبيثًا، فكذلك إذا عَمِلتَ عَمَلا سَيِّئًا كان عِقابُه وذَنبُه عليك، والجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ.
ومَثَلُ المَرأةِ الصَّالِحةِ لبَعلِها -البَعلُ: الزَّوجُ- كالمَلِكِ المُتَوَّجِ بالتَّاجِ المُخَوَّصِ بالذَّهَبِ، أي: عليه صَفائِحُ الذَّهَبِ، أو مَنسوجٌ بالذَّهَبِ مِثلَ خوصِ النَّخلِ، والمَعنى: مَثَلُ المَرأةِ التي تَكونُ صالِحةً فتُعينُ زَوجَها على الخَيرِ وتَسُرُّه ولا تُؤذيه، كَمَثَلِ مَلِكٍ عليه تاجٌ مُطَرَّزٌ بالذَّهَبِ، كُلَّما رَآها قَرَّت بها عَيناه، أي: سُرَّت عَينُه وارتاحَت نَفسُه بهذه الزَّوجةِ، ومَثَلُ المَرأةِ السُّوءِ -أي: السَّيِّئةِ العِشرةِ والمُعامَلةِ- لبَعلِها كالحِملِ الثَّقيلِ، أي: كالمَتاعِ الثَّقيلِ على الشَّيخِ الكَبيرِ، أي: يُثقِلُه ويُتعِبُه ويُؤذيه.
واعلَمْ أنَّ خُطبةَ الأحمَقِ في نادي قَومِه كمَثَلِ المُغَنِّي عِندَ رَأسِ المَيِّتِ.
الحُمقُ: قِلَّةُ العَقلِ، أي: أنَّ خُطبةَ الشَّخصِ القَليلِ العَقلِ وتَحَدُّثَه في مَجالِسِ القَومِ، والقَومُ لا يَستَفيدونَ مِنه ولا يَسمَعونَ له ولا يُنصِتونَ: كمُغَنٍّ يُغَنِّي عِند مَيِّتٍ، لا يَنتَفِعُ ولا يَسمَعُ المَيِّتُ شَيئًا مِن أغانيه.
ولا تَعِدَنَّ -مِنَ الوَعدِ- أخاك شَيئًا، أي: بأمرٍ مِنَ الأُمورِ، ثُمَّ لا تُنجِزه، أي: لا تَفي بوَعدِك.
والمَعنى: احذَرْ أن تَعِدَ أخاك بأمرٍ ثُمَّ تُخلِفَ هذا الوعدَ ولا تَفيَ به؛ فتورِثَ بَينَك وبَينَه عَداوةً، أي: فإنَّ عَدَمَ إيفائِك بالوعدِ يُؤَدِّي إلى وُقوعِ العَداوةِ بَينَكُما.
ونَعوذُ باللهِ، أي: نَلجَأُ إلى اللهِ ونَعتَصِمُ به، مِن صاحِبٍ إن ذَكَرتَ اللَّهَ لَم يُعِنْك، أي: إذا ذَكَرتَ شَيئًا مِن أُمورِ الخَيرِ وما فيه ذِكرُ اللهِ مِن صَلاةٍ وبِرٍّ وإحسانٍ ونَحوِ ذلك، لَم يُعِنْك على ذلك.
وإن نَسِيتَه، أي: نَسِيتَ ذِكرَ اللهِ، لَم يُذَكِّرْك -أي: لَم يُذَكِّرْك بذِكرِ اللهِ-، وهو الشَّيطانُ، أي: فهو بمَثابةِ الشَّيطانِ؛ لأنَّ الشَّيطانَ يَحرِصُ على عَدَمِ تَذكيرِ الإنسانِ باللهِ، فتَشقى بفواتِ ذلك الأمرِ عنِ الوقتِ، واذكُرْ ما تَكرَهُ أن يُذكَرَ مِنك في نادي قَومِك، فلا تَفعَلْه إذا خَلَوتَ، أي: تَذَكَّرِ الأشياءَ التي تَستَحي أن تَفعَلَها في مَجالِسِ القَومِ، فاحذَرْ أن تَفعَلَها في خَلوتِك بَينَك وبَينَ نَفسِك.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الرَّحمةِ باليَتيمِ.
وفيه أنَّ الجَزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ.
وفيه فضلُ المَرأةِ الصَّالِحةِ.
وفيه قُبحُ المَرأةِ السَّيِّئةِ على زَوجِها.
وفيه مَشروعيَّةُ الوفاءِ بالوَعدِ.
وفيه الحِرصُ على مُصاحَبةِ الصَّاحِبِ الذي يُذَكِّرُ باللهِ.
وفيه الحَذَرُ مِن مُجالَسةِ جَليسِ السُّوءِ.
وفيه البُعدُ عن فِعلِ كُلِّ ما يَستَحي الإنسانُ عن فِعلِه بَينَ النَّاسِ، فلا يَفعَلُه في الخَلوةِ .