كُنْتُ جالِسًا معَ أبي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللهُ عنه في مَسجِدِ الكوفةِ، فأتاه رَجُلٌ فقالَ: أَأنت القائِلُ تُصَلِّي معَ عيسى بنِ مَرْيَم؟ قالَ: يا أهْلَ العِراقِ، إنِّي قد عَلِمْتُ أن سيُكَذِّبوني، ولا يَمنَعُني ذلك أن أُحدِّثَ بما سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، حَدَّثَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، الصَّادِقُ المَصْدوقُ: «إن الدَّجَّالَ يَخرُجُ مِن المَشرِقِ في حينِ فُرْقةٍ مِن النَّاسِ، فيَبلُغُ كلَّ مَبلَغٍ في أرْبَعينَ يَوْمًا، فيُزِلُ المُؤمِنينَ مِنه أزْلًا شَديدًا، وتَأخُذُ المُؤمِنينَ فيه شِدَّةٌ شَديدةٌ، فيَنزِلُ عيسى بنُ مَرْيَم، فيُصَلِّي بِهم، فإذا رَفَعَ رأسَه مِن الرُّكوعِ أَهلَكَ اللهُ الدَّجَّالَ ومَن معَه».

فأمَّا قَوْلي: إنَّه حَقٌّ، قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «وهو الحَقُّ»، وأمَّا قَوْلي: إنِّي أَطمَعُ أن أُدرِكَ ذلك فلَعلِّي أن أُدرِكَه على ما يُرَى مِن بَياضِ شَعَري، ورِقَّةِ جِلْدي، وقِدَمِ مَوْلدي، فيَرحَمَني اللهُ تَعالى، فأُدرِكَه فأُصلِّيَ معَه، ارجِعْ إلى أهْلِك فأَخبِرْهم بما أَخبَرَك أبو هُرَيْرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، فقالَ: الرَّجُل: أين يكونُ ذلك؟ قالَ: فأخَذَ حَصًى مِن مَسجِدٍ، فقالَ: مِن هاهنا، وأَعادَ الرَّجُلُ عليه، فقالَ: أَتُريدُ أن أَقولَ مِن مَسجِدِ الكوفةِ؟ هو يَخرُجُ مِن الأرْضِ قَبْلَ أن تُبَدَّلَ، يَجعَلُه اللهُ حيثُ شاءَ.

الدلالات الموضوعية:# أشراط الساعة - خروج الدجال ومكثه بالأرض# فتن - فتنة الدجال# مناقب وفضائل - أبو هريرة# أشراط الساعة - نزول عيسى ابن مريم# أشراط الساعة - قتل الدجال
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: أبو هريرة
المحدث: الوادعي
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه إسحاق في ((مسنده)) (262) واللفظ له، وابن حبان (6812)، والبزار (9642) بنحوه.

الشرح والتوضيح

مِن أشراطِ السَّاعةِ الكُبرى التي ورَدَ ذِكرُها في السُّنَّةِ خُروجُ المَسيحِ الدَّجَّال، وقد حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه مِنه، وبَيَّنَ لَهم عَظيمَ فِتنَتِه وشِدَّةَ خُطورَتِه، وأمَرَهم أن يَستَعيذوا مِنه في صَلاتِهم، وأنَّه سيَخرُجُ مِن جِهةِ المَشرِقِ، وسَيَرحَمُ اللهُ تعالى أهلَ الأرضِ بنُزولِ عَبدِه ورَسولِه عيسى بنِ مَريَمَ عليه السَّلامُ مِنَ السَّماءِ فيَقتُلُه، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ كُلَيبٌ الجَرميُّ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: كُنتُ جالِسًا مَعَ أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه في مَسجِدِ الكوفةِ، وهيَ مَدينةٌ في العِراقِ، فأتاه رَجُلٌ، أي: جاءَ رَجُلٌ إلى أبي هرَيرةَ، فقال لَه: أأنت القائِلُ تُصَلِّي مَعَ عيسى بنِ مَريَمَ؟ أي: هَل أنتَ الذي تَقولُ عن نَفسِك أنَّك سَوف تُصَلِّي مَعَ عيسى بنِ مَريَمَ عِندَما يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؟ فقال أبو هرَيرةَ: يا أهلَ العِراقِ، إنِّي قد عَلِمتُ أنْ سيُكَذِّبوني، أي: كُنتُ أتَوقَّعُ أنَّ النَّاسَ سَوف يُكَذِّبونَ حَديثي إذا حَدَّثتُهم بما يَكونُ في آخِرِ الزَّمانِ، ولا يَمنَعُني ذلك أن أُحَدِّثَ بما سَمِعتُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: ومَعَ أنَّهم سيُكَذِّبونَني إلَّا أنَّ ذلك لَن يَمنَعَني مِن أن أخبِرَ بما قال لَنا به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حَدَّثَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصَّادِقُ المَصدوقُ، أي: الصَّادِقُ في قَولِه المَصدوقُ فيما يَأتي مِنَ الوحيِ، فقال: إنَّ الدَّجَّالَ، أي: المَسيحَ الدَّجَّالَ، يَخرُجُ مِنَ المَشرِقِ، أي: مِن جِهةِ الشَّرقِ، في حينِ فُرقةٍ مِنَ النَّاسِ، أي: في وقتِ تَفرُّقِ النَّاسِ، فيَبلُغُ كُلَّ مَبلَغٍ، أي: يَذهَبُ ويَدخُلُ الدَّجَّالُ إلى كُلِّ مَكانٍ، في أربَعينَ يَومًا، أي: تَكونُ مُدَّةُ مُكثِه في الأرضِ أربَعينَ يَومًا، فيزلُ المُؤمِنينَ مِنه أزْلًا شَديدًا.

الأزْلُ: الشِّدَّةُ والضِّيقُ والقَحطُ، أي: يُصبِحُ المُؤمِنونَ مِنه في كَربٍ وشِدَّةٍ ويقحَطون، وتَأخُذُ المُؤمِنينَ فيه شِدَّةٌ شَديدةٌ، أي: يُصيبُهم مِنَ الدَّجَّالِ البَلاءُ والضِّيقُ الشَّديدُ، فيَنزِلُ عيسى بنُ مَريَمَ، أي: فعِندَ ذلك يَنزِلُ عيسى بنُ مَريَمَ، فيُصَلِّي بهم، أي: يُصَلِّي بالمُؤمِنينَ، فإذا رَفعَ عيسى بنُ مَريَمَ رَأسَه مِنَ الرُّكوعِ، أهلَكَ اللهُ الدَّجَّالُ ومَن مَعَه، أي: يَكونُ وقتُ هَلاكِ الدَّجَّالِ وأتباعِه عِندَما يَرفعُ عيسى بنُ مَريَمَ رَأسَه مِنَ الرُّكوعِ.

ثُمَّ قال أبو هرَيرةَ: فأمَّا قَولي: إنَّه حَقٌّ، أي: إنَّ قَولَه: إنَّ خُروجَ الدَّجَّالِ حَقٌّ وواقِعٌ، فهو لقَولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: لكَونِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبَرنا بذلك، وهو الحَقُّ، أي: وقَولُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَقٌّ وصِدقٌ، وما قاله فسَوف يَقَعُ لا مَحالةَ.

وأمَّا قَولي: إنِّي أطمَعُ أن أُدرِكَ ذلك، أي: أرجو أن أُدرِكَ زَمانَ نُزولِ عيسى والصَّلاةَ خَلفَه، فلَعَلِّي أن أُدرِكَه على ما يُرى مِن بَياضِ شَعري، ورِقَّةِ جِلدي، وقِدَمِ مَولِدي، أي: وذلك بسَبَبِ أنَّني قد كَبِرتُ وصارَ شَعري أبيَضَ، وضَعُف جِلدي، فلَعَلَّ اللَّهَ يَرحَمُني فأُدرِكَ زَمَنَ نُزولِ عيسى فأُصَلِّيَ مَعَه.

ثُمَّ قال أبو هرَيرةَ للرَّجُلِ: ارجِعْ إلى أهلِك فأخبِرْهم بما أخبَرَك أبو هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أي: ارجِعْ إلى عَشيرَتِك وحَدِّثْهم بهذا الذي أخبَرتُك به.

فقال الرَّجُلُ: أينَ يَكونُ ذلك؟ أي: أينَ سَيَكونُ الدَّجَّالُ؟ فأخَذَ أبو هرَيرةَ حَصًى مِنَ المَسجِدِ، وقال: مِن هاهنا، أي: أشارَ إلى جِهةِ المَشرِقِ.

ثُمَّ أعادَ الرَّجُلُ عليه السُّؤالَ: مِن أينَ يَكونُ؟ فقال أبو هرَيرةَ لَه: أتُريدُ أن أقولَ مِن مَسجِدِ الكوفةِ؟ أي: هَل تُريدُ أن أقولَ: إنَّه سَوف يَخرُجُ مِن مَسجِدِ الكوفةِ؟ هو، أي: الدَّجَّالُ، يَخرُجُ مِنَ الأرضِ قَبلَ أن تُبَدَّلَ، أي: قَبلَ قيامِ السَّاعةِ، يَجعَلُه اللهُ حَيثُ شاءَ، أي: يَبعَثُه اللهُ إلى أيِّ جِهةٍ شاءَ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ التَّحديثِ بأحاديثِ أشراطِ السَّاعةِ، وإن كان فيها غَرائِبُ.

وفيه إثباتُ خُروجِ المَسيحِ الدَّجَّالِ.

وفيه أنَّ المَسيحَ الدَّجَّالَ يَخرُجُ مِنَ المَشرِقِ.

وفيه أنَّ المَسيحَ الدَّجَّالَ يَمكُثُ في الأرضِ أربَعينَ يَومًا.

وفيه شِدَّةُ فِتنةِ المَسيحِ الدَّجَّالِ وضيقِ المُؤمِنينَ مِنه.

وفيه إثباتُ نُزولِ عيسى بنِ مَريَمَ عليه السَّلامُ.

وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ هَلاكِ المَسيحِ الدَّجَّالِ .

أحاديث ذات صلة