- كنَّا مع حميدِ بنِ عبد الرحمن في سوقِ الرَّقيقِ، قال: فقام من عندِنا، ثم رجع، فقال: هذا آخِرُ ثلاثةٍ من بني سعد حدَّثوني هذا الحديثَ، قالوا: مَرِضَ سعدٌ بمكَّةَ مرضًا شديدًا، قال: فأتاه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يعودُه ، فقال: يا رسولَ اللهِ، لي مالٌ كثيرٌ، وليس لي وارثٌ إلَّا كلالةٌ، فأُوصي بمالي كلِّه؟ فقال: لا
بَيَّنَ اللهُ تعالى أحكامَ الميراثِ في كِتابِه، وذَكَر الوارِثينَ ونَصيبَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وجاءَتِ السُّنَّةُ بتَفصيلِ الأحكامِ التي ورَدَت في القُرآنِ، وبَيانِ المَقصودِ بها، وأن لا يوصيَ الإنسانُ بمالِه كُلِّه، بَل يَدَعُه للورَثةِ، ولَه الوصيَّةُ بالثُّلثِ فقَط، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ عَمرُو بنُ سَعيدٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: كُنَّا مَعَ حميدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، وهو مِنَ التَّابِعينَ أيضًا، في سوقِ الرَّقيقِ، أي: سوقِ العَبيدِ، فقامَ مِن عِندِنا، أي: قامَ حميدٌ مِن عِندِهم فذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ إليهم، فقال لَهم: هذا آخِرُ ثَلاثةٍ مِن بَني سَعدٍ، أي: مِن أولادِ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، حَدَّثوني هذا الحَديثَ، أي: أنَّ هؤلاء الأولادَ الثَّلاثةَ قد أخبَروني بهذا الحَديثِ، قالوا: مَرِضَ سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ بمَكَّةَ مَرَضًا شَديدًا، أي: حتَّى شارَفَ في مَرَضِه على المَوتِ، فأتاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعودُه، أي: جاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لزيارَتِه، فقال سَعدٌ: يا رَسولَ اللهِ، لي مالٌ كَثيرٌ، وليس لي وارِثٌ إلَّا كَلالةٌ -وهو أن يَموتَ الرَّجُلُ ولا يَدَعَ والِدًا ولا ولَدًا يَرِثانِه.
وأصلُه مِن: تَكَلَّله النَّسَبُ: إذا أحاطَ به.
وقيلَ: الكَلالةُ: الوارِثونَ الذينَ ليس فيهم ولَدٌ ولا والِدٌ، ولَعَلَّ سَعدًا لَم يَكُنْ له وقتئِذٍ مِنَ الأولادِ أحَدٌ، وإن كان جاءَ في رِوايةٍ أُخرى أنَّه كان له بنتٌ؛ فقد يُحمَلُ ذلك على أنَّه لَم يَكُنْ له أحَدٌ، ثُمَّ رَزَقَه اللَّهُ تلك البِنتَ- فأُوصي بمالي كُلِّه؟ أي: فهَل تَرى أن أوصيَ بمالي كُلِّه؟ فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا، أي: لا توصِ به كُلِّه، وجاءَ في رِوايةٍ: أنَّه أقَرَّه على الوصيَّةِ بالثُّلثِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى عافى سَعدًا حتَّى رُزِقَ عَدَدًا مِنَ الأبناءِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ عيادةِ المَريضِ.
وفيه المَنعُ مِنَ الوصيَّةِ بكُلِّ المالِ .