- لمَّا كان يومُ فتحِ مكَّةَ أمَّنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الناسَ، إلَّا أربعةَ نفَرٍ وامرأتينِ، وسمَّاهم، وابنَ أبي سَرْحٍ، فذكَرَ الحديثَ، قال: وأمَّا ابنُ أبي سَرحٍ، فإنَّه اختبَأَ عِندَ عثمانَ بنِ عفَّانَ، فلمَّا دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الناسَ إلى البَيعةِ ، جاء به حتى أَوقَفَه على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: يا نبيَّ اللهِ: بايِعْ عبدَ اللهِ، فرفَعَ رأسَه، فنظَرَ إليه ثلاثًا، كلُّ ذلك يأبى عليه، فبايَعَه بعدَ ثلاثٍ، ثمَّ أقبَلَ على أصحابِه، فقال: أما كان فيكم رجُلٌ رشيدٌ يقومُ إلى هذا، حيثُ رآني كفَفتُ يدي عن بَيعتِه، فيقتُلَه؟ فقالوا: ما نَدري يا رسولَ اللهِ ما في نفسِك ، ألا أَومأتَ إلينا بعينِك، قال: إنَّه لا ينبغي لنبيٍّ أنْ تكونَ له خائنةُ الأعيُنِ .

الدلالات الموضوعية:# مغازي - فتح مكة# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - حسن شمائله ووفاء عهده صلى الله عليه وسلم# ردة - حد الردة وما يتعلق به# حدود - حد من سب النبي صلى الله عليه وسلم# جهاد - الأمان والوفاء به ومن له إعطاء الأمان
المصدر: تخريج سنن أبي داود
الراوي: سعد بن أبي وقاص
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده حسن

الشرح والتوضيح

جاءَ التَّحذيرُ الشَّديدُ فيمَن كَفرَ بَعدَ إسلامِه، وبَيانُ ما يَستَحِقُّه مِنَ العِقابِ، وأنَّ عُقوبَتَه القَتلُ إلَّا إذا تابَ ورَجَعَ قَبلَ أن يُقدَرَ عليه؛ ولهذا لمَّا ارتَدَّ بَعضُ من أسلَمَ في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِقَتلِهم، وكان مِن أولئك عَبدُ اللهِ بنُ سَعدِ بنِ أبي سَرحٍ، وهو أخو عُثمانَ بنِ عَفَّانَ مِنَ الرَّضاعةِ، أسلمَ قَبلَ الفتحِ وهاجَرَ، وكان يَكتُبُ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: جَعَلَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن كُتَّابِ الوحيِ، فأزَلَّه الشَّيطانُ، أي: حَملَه على الزَّلَلِ، وهو الخَطَأُ والذَّنبُ، فلَحِقَ بِالكُفَّارِ، أي: عادَ إلى كُفَّارِ قُرَيشٍ بِمَكَّةَ بَعدَما ارتَدَّ مُشرِكًا والتَجَأ إليهم، ولمَّا كان يَومُ فتحِ مَكَّةَ، أي: عِندَما فتَحَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكَّةَ في السَّنةِ الثَّامِنةِ لِلهجرةِ، أمَّنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النَّاسَ، أي: أعطاهمُ الأمانَ مِنَ القَتلِ، إلَّا أربَعةَ نَفَرٍ وامرَأتَينِ، أي: لَم يُؤَمِّنْهم، وسَمَّاهم، أي: ذَكَرَ الرَّاوي أسماءَ مَن لَم يُؤَمِّنْهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان مِنهم عَبدُ اللهِ بنُ أبي سَرحٍ، وجاءَ في رِوايةٍ أُخرى بَيانُ الأربَعةِ، وهم: عِكرِمةُ بنُ أبي جَهلٍ، وعَبدُ اللهِ بنُ خَطَلٍ، ومِقْيَسُ بنُ صُبابةَ، وعَبدُ اللهِ بنُ سَعدِ بنِ أبي السَّرحِ، وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اقتُلوهم وإن وجَدتُموهم مُتَعَلِّقينَ بِأستارِ الكَعبةِ.

فذَكَرَ الحَديثَ، أي: ذَكَرَ الرَّاوي قِصَّةَ الأشخاصِ الذينَ لم يُؤَمِّنْهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وقال: وأمَّا عَبدُ اللهِ بنُ أبي سَرحٍ، فإنَّه اختَبَأ، أي: اختَفى عِندَ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ؛ لِأنَّ عُثمانَ أخوه مِنَ الرَّضاعةِ، فلَمَّا دَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النَّاسَ إلى البَيعةِ، أي: لِكَي يُبايِعوه على الإسلامِ وهيَ المُعاقَدةُ والمُعاهَدةُ، جاءَ عُثمانُ بعَبدِ اللهِ بنِ أبي سَرحٍ حتَّى أوقَفَه، أي: أقامَه على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وقال عُثمانُ: يا نَبيَّ اللهِ: بايِعْ عَبدَ اللَّهِ، أي: خُذْ مِنه البَيعةَ؛ فإنَّه يُريدُ أن يَتوبَ ويَرجِعَ إلى الإسلامِ، فرَفعَ رَسولُ اللهِ رَأسَه، فنَظَرَ إليه، أي: صَوَّب نَظَرَه إلى عَبدِ اللهِ بنِ أبي سَرحٍ، ثَلاثًا، أي: ثَلاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذلك يَأبى عليه، أي: في كُلِّ مَرَّةٍ لَم يَلتَفِتْ إلى قَولِ عُثمانَ، وكَفَّ يَدَه، ورَفَض أن يُبايِعَ عَبدَ اللهِ بنَ أبي سَرحٍ، فبايَعَه بَعدَ ثَلاثٍ، أي: بَعدَ النَّظرةِ الثَّالِثةِ بايَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَبدَ اللهِ بنَ أبي سَرحٍ، وأسلَمَ ذلك اليَومَ فحَسُنَ إسلامُه ولَم يَظهَرْ مِنه بَعدَ ذلك ما يُنكَرُ عليه، ثُمَّ أقبَل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أصحابِه، أي: توجَّهَ إليهم وقال لَهم مُنكِرًا عليهم: أمَا كان فيكُم رَجُلٌ رَشيدٌ - الرُّشدُ: الصَّلاحُ، وهو خِلافُ الغَيِّ والضَّلالِ، وهو إصابةُ الصَّوابِ، أي: رَجُلٌ فطِنٌ لِصَوابِ الحُكمِ، والمَعنى: أليس يوجَدُ بَينَكُم رَجُلٌ لَبيبٌ فَطِنٌ ذو عَقلٍ يَفهَمُ ما أُريدُ بِامتِناعي عن مُبايَعَتِه؟!- يَقومُ إلى هذا، أي: عَبدِ اللهِ بنِ أبي سَرحٍ؛ حَيثُ رَآني كَفَفتُ يَدي عن بَيعَتِه - أي: حَيثُ أمسَكتُ يَدي وامتَنَعتُ عن بَيعةِ عَبدِ اللهِ بنِ أبي سَرحٍ، وقَولُه: يَدي؛ لِأنَّ المُبايِعَ كان يَقبِضُ بيَدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فيَقتُلَه؟ أي: يَضرِبَ عُنُقَه لِكَونِه مُرتَدًّا، فإنِّي ما صَمَتُّ إلَّا ليَقومَ إليه بَعضُكُم فيَضرِبَ عُنُقَه، وهذا يَدُلُّ على عَدَمِ رِضا النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن بَيعةِ عَبدِ اللهِ بنِ أبي السَّرحِ.

فقال الصَّحابةُ: ما نَدري يا رَسولَ اللهِ ما في نَفسِك! أي: لا نَعرِفُ يا رَسولَ اللهِ ما في نَفسِك، أي: ما يَدورُ في نَفسِك.

ألَا أومَأتَ إلينا بِعينَك، أي: فهَلَّا أشَرتَ إلينا بِعينَك فنَعرِفَ مُرادَك! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّه لا يَنبَغي لِنَبيٍّ، أي: لا يَليقُ بِالنَّبيِّ، أن تَكونَ لَه خائِنةُ الأعيُنِ، أي: أن يُضمِرَ بِقَلبِه ما لا يُظهِرُه لِلنَّاسِ، فإذا كَفَّ لِسانَه وأومَأ بعَينِه إلى خِلافِه فقد خانَ، وكان ظُهورُ تلك الخيانةِ مِن قِبَلِ عَينِه، فسُمِّيَت خائِنةَ الأعيُنِ؛ فالنَّبيُّ لا يُخالِفُ ظاهرُه باطِنَه، ولا سِرُّه عَلانيَتَه، وإذا نَفَذَ حُكمُ اللهِ بِشَيءٍ لَم يومِئْ بِه، بَل يُصَرِّحُ به ويُظهِرُه، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنَزَّهٌ عنِ الخيانةِ مُطلَقًا.

وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ حَدَّ المُرتَدِّ القَتلُ.

وفيه قَبولُ تَوبةِ المُرتَدِّ.

وفيه مَشروعيَّةُ إقامةِ الحَدِّ في الحَرَمِ.

وفيه وُقوفُ الأسيرِ بَينَ يَدَيِ الأميرِ.

وفيه مَشروعيَّةُ تَسميةِ الكافِرِ عَبدَ اللَّهِ الذي هو أحَبُّ الأسماءِ إلى اللهِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الشَّفاعةِ عِندَ الإمامِ بِلَفظِ الأمرِ.

وفيه مَشروعيَّةُ طَلَبِ الأمانِ لِلأسيرِ.

وفيه مَشروعيَّةُ خَفضِ الرَّأسِ عِندَ حُضورِ الأسيرِ إهانةً لَه وصَغارًا.

وفيه تَركُ مُبايَعةِ مَن رَأى الإمامُ أنَّ المَصلَحةَ في قَتلِه.

وفيه تَعظيمُ الصَّحابةِ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهَيبَتُهم لَه وعَدَمُ فِعلِ شَيءٍ إلَّا بِأمرِه.

وفيه أنَّه لا يَجوزُ على الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُظهِرَ خِلافَ ما يُبطِنُ.

وفيه أنَّ ظاهِرَ السُّكوتِ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الشَّيءِ يَراه يُصنَعُ بِحَضرَتِه يَحُلُّ مَحَلَّ الرِّضا به والتَّقريرِ لَه.

وفيه أنَّ شَأنَ الأنبياءِ أرفَعُ وأنبَلُ مِن أن يُعامِلوا أُمَمَهم مُعامَلةَ المُلوكِ والأُمَراءِ وسائِرِ النَّاسِ؛ حَيثُ تَكونُ لَهم خائِنةُ الأعيُنِ، ويُعامِلونَ النَّاسَ بِالطُّرُقِ الخَفيَّةِ التي لا يَهتَدي إليها إلَّا بَعضُ الحُذَّاقِ والنُّبَهاءِ .

أحاديث ذات صلة