أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ آخى بَيْنَ رَجُلَينِ، فقُتِلَ أحَدُهما، وماتَ الآخَرُ بَعْدَه، فصَلَّيْنا عليه، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «ما قُلْتُم؟»، قالوا: دَعَونا له: اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْه، اللَّهُمَّ أَلحِقْه بصاحِبِه، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «فأين صَلاتُه بَعْدَ صَلاتِه؟ وأين عَمَلُه بَعْدَ عَمَلِه؟ فلَمَا بَيْنَهما كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ!».
قالَ عَمْرُو بنُ مَيْمونَ: أَعجَبَني؛ لأنَّه أَسنَدَ لي.
على المُسلِمِ الحِرصُ على الِاستِكثارِ في الحَياةِ الدُّنيا مِنَ الأعمالِ الصَّالِحاتِ مِن صَلاةٍ وصَدَقةٍ وغَيرِها، فإنَّه إذا ماتَ انقَطَعَ عَمَلُه ولا يَستَطيعُ فِعلَ شَيءٍ؛ ولهذا كُلَّما طالَتِ الحَياةُ بِالإنسانِ فهو خَيرٌ لَه لَعَلَّه يَزدادُ مِنَ الطَّاعاتِ والأعمالِ التي تَنفعُه في الآخِرةِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عُبَيدُ بنُ خالِدٍ السُّلَميُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آخى بَينَ رَجُلَينِ، أي: جَعَلَ بَينَ رَجُلَينِ مِنَ الصَّحابةِ أُخوَّةً، والمُؤاخاةُ: مُفاعَلةٌ مِنَ الأُخوَّةِ، ومَعناها: أن يَتَعاقدَ الرَّجُلانِ على التَّناصُرِ والمواساةِ والتَّوارُثِ حتَّى يَصيرا كالأخَوينِ نَسَبًا.
وكان ذلك أوَّلَ الإسلامِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآياتِ المَواريثِ.
فقَتَلَ أحَدَهما، أي: استُشهِدَ في سَبيلِ اللهِ.
وماتَ الآخَرُ بَعدَه، أي: ثُمَّ توُفِّيَ الشَّخصُ الآخَرُ بَعدَه في غَيرِ جِهادٍ، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّه ماتَ بَعدَه بِجُمعةٍ.
فصَلَّينا عليه، أي: صَلَّى الصَّحابةُ على هذا الشَّخصِ الذي توُفِّيَ بَعدَ أخيه صَلاةَ الجِنازةِ، ولَعَلَّهم لَم يُصَلُّوا على الأوَّلِ لِكَونِه شَهيدًا.
فقال لَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما قُلتُم؟ أي: عِندَ مَوتِ الثَّاني.
فقالوا: دَعَونا لَه: اللهُمَّ اغفِرْ لَه، اللهُمَّ ارحَمْه، اللهُمَّ ألحِقْه بِصاحِبِه، أي: اجعَلْه يَلحَقُ بِأخيه القَتيلِ، ويَكونُ مَعَه في دَرَجاتِه في الجَنَّةِ؛ لِأنَّه لَم تَحصُلْ لَه الشَّهادةُ ولَم يَبلُغْ مَنزِلَتَها، ولِأنَّ اللَّهَ يَرفعُ دَرَجةَ الشُّهَداءِ.
فقال لَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فأينَ صَلاتُه، أي: الآخَرِ، بَعدَ صَلاتِه، أي: المَقتولِ، مِنَ الفرائِضِ والنَّوافِلِ، وأينَ عَمَلُه بَعدَ عَمَلِه؟ وأينَ هنا استِفهامُ إنكارٍ مَعناه النَّفيُ، أي: لَم تَذهَبْ صَلاتُه، بَل هيَ باقيةٌ يَرفعُه اللهُ بِها دَرَجاتٍ في الجَنَّةِ، فلَمَا بَينَهما، أي: بَينَ الذي قُتِلَ وبَينَ الذي ماتَ بَعدَه في الفضلِ وعُلوِّ الثَّاني على الأوَّلِ، كما بَينَ السَّماءِ والأرضِ! أي: مَثَلُ بُعدِ المَسافةِ التي بَينَ السَّماءِ والأرضِ.
والمَعنى: إنَّ الأعمالَ والطَّاعاتِ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ والعَمَلِ الصَّالِحِ التي زادَها الرَّجُلُ المَيِّتُ بَعدَ أخيه زيدَت لَه في الدَّرَجاتِ؛ فمَن طالَ عُمُرُه وحَسُنَ عَمَلُه وأكثَرَ مِنَ الطَّاعاتِ، فلَه دَرَجةٌ أرفعُ، وهذا لا يَدُلُّ على أنَّ كُلَّ مَن تَأخَّرَ عن غَيرِه أنَّه يَكونُ أفضَلَ مِنه، ولَكِن يَدُلُّ على أنَّ الإنسانَ كُلَّما عاشَ وعُمِّرَ على طاعةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وعلى عَمَلٍ صالِحٍ، فإنَّه يُكتَبُ لَه حَسَناتُ ذلك.
وقد يَستَشكِلُ فضيلةَ دَرَجةِ الآخَرِ بِالصَّلاةِ والصَّومِ والأعمالِ الأُخرى على القَتلِ في سَبيلِ اللهِ، والجَوابُ: أنَّ بَعضَهم يَبلُغُ دَرَجةً بِالصَّلاةِ والصَّومِ لا يَبلُغُها الشُّهَداءُ، فلَعَلَّ هذا الرَّجُلَ الآخَرَ بَلَغَ دَرَجةً بِإخلاصِه وصِدقِه في أعمالِه لَم يَبلُغْها الأوَّلُ مَعَ شَهادَتِه في سَبيلِ اللهِ.
ويُحتَمَلُ أن يُقالَ: إنَّ الأوَّلَ لَم يَبلُغْ مَنزِلةَ الشَّهادةِ الكامِلةِ لِأمرٍ عَرَض في نيَّتِه، فقَصَرَ عن دَرَجةِ الشَّهادةِ الكامِلةِ، وأمَّا الآخَرُ فبَلَغَ بِإخلاصِه في نيَّتِه في الصَّلاةِ والصَّومِ والأعمالِ دَرَجةً فاقَ بِها الأوَّلَ، واللَّهُ سُبحانَه وتعالى هو الذي يَرفعُ ويَخفِضُ حَسَبَ أعمالِ العِبادِ وعلى ما تَقتَضيه حِكمَتُه جَلَّ وعَلا.
قال عَمرُو بنُ مَيمونٍ، وهو أحَدُ الرُّواةِ: أعجَبَني؛ لِأنَّه أُسنِدَ لي، أي: أُعجِبَ بهذا الحَديثِ لِأنَّه ذُكِرَ لَه إسنادُ الحَديثِ ورُويَ لَه مُتَّصِلًا مَرفوعًا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُسنَدُ: هو الحَديثُ المَرفوعُ المُتَّصِلُ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ صَلاةِ الجِنازةِ على المَيِّتِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الدُّعاءِ لِلمَيِّتِ في الصَّلاةِ عليه.
وفيه مَشروعيَّةُ سُؤالِ الإمامِ المُصَلِّينَ عنِ الدُّعاءِ الذي يَدعونَه في صَلاتِهم في الجِنازةِ.
وفيه بَيانُ فَضلِ طُولِ العُمرِ مَعَ العَمَلِ الصَّالِحِ.
وفيه بَيانُ أهَمِّيَّةِ الأعمالِ الصَّالِحةِ، وأنَّها تَرفعُ دَرَجاتِ العَبدِ عِندَ اللهِ.
وفيه أنَّه قد يَكونُ لِبَعضِ الذينَ يَموتونَ على فُرُشِهم أجرٌ أفضَلُ مِمَّا هو للشَّهيدِ؛ بِسَبَبِ طاعاتٍ أُخرى.
وفيه أنَّ مَن ماتَ انقَطَعَ عَمَلُه .