لَمَّا عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لَهم أظافِرُ من نُحاسٍ يخمِشونَ وجوهَهم وصدورَهم فقلتُ : من هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قالَ هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهِمْ .
أخرجه أبو داود (4878)، وأحمد (13340) باختلاف يسير.
مِنَ الأخلاقِ الذَّميمةِ التي حَذَّرَ مِنها اللَّهُ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خُلُقُ الغِيبةِ، وهيَ ذِكرُ الشَّخصِ في غَيبَتِه بِما يَكرَهُ، فهو خُلُقٌ قَبيحٌ، فليس مِن أخلاقِ المُسلِمِ أن يَغتابَ أخاه ويَتَكَلَّمَ فيه، وقد شَبَّهَ اللَّهُ تعالى ذلك بِمَن يَأكُلُ لَحمَ أخيه مَيتًا، فقال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12] ، أي: لا يَتَناولْ بَعضُكُم بَعضًا بِظَهرِ الغَيبِ بِما يسوؤه مِمَّا هو فيه، وفي هذا الحَديثِ يُبَيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أيضًا خُطورةَ الغِيبةِ، فيَقولُ: لمَّا عُرِجَ بي، أي: لَيلةَ الإسراءِ والمِعراجِ، عِندَما عُرِجَ به إلى السَّماءِ واطَّلَعَ على النَّارِ ومَن يُعَذَّبُ بِها، مَرَرتُ بِقَومٍ لَهم أظفارٌ مِن نُحاسٍ، أي: جُعِلَت لَهم أظفارٌ مِنَ النُّحاسِ لِشِدَّةِ قوَّةِ النُّحاسِ، ففيه قوَّةٌ تُؤَثِّرُ ما لا تُؤثِّرُه الأظفارُ العاديَّةُ حتَّى يَكونَ العَذابُ بِها شَديدًا زيادةً في عُقوبَتِهم، يخمُشون، أي: يَخدِشونَ ويَجرَحونَ ويَقطَعونَ بِها وُجوهَهم وصُدورَهم.
وخَصَّ الوُجوهَ والصُّدورَ؛ لِأنَّ الوُجوهَ مَواضِعُ الأكلِ، وصُدورُهم تُقابِلُ مَواضِعَ استِقرارِ اللَّحمِ المَأكولِ؛ فإنَّ البُطونَ هيَ الصُّدورُ.
فقُلتُ: مَن هؤلاء يا جِبريلُ؟ أي: سَألَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جِبريلَ؛ لِأنَّه كان مُرافِقًا لَه أثناءَ مُرورِه بأولئك القَومِ، سَألَه مَن هؤلاء الذينَ يَفعَلونَ ذلك؟ فقال جِبريلُ: هؤلاء الذينَ يَأكُلونَ لُحومَ النَّاسِ، أي: يَغتابونَ المُسلِمينَ، ويَقَعونَ في أعراضِهم، أي: يَهتِكونَ أعراضَهم بِغَيرِ حَقٍّ.
والجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ، فلَمَّا كان بغِيبتِه وبكَلامِه على النَّاسِ مِثلَ الذي يَأكُلُ لُحومَهم، صارَت عُقوبتُه بأن يُمَزِّقَ جِلدَه ولَحمَه بِنَفسِه بِتلك الأظفارِ، كما أكَلَ لُحومَ النَّاسِ بوُلوغِه في أعراضِهم، فإنَّه هو نَفسَه بِتلك الأظفارِ مِنَ النُّحاسِ يُمَزِّقُ لَحمَه ويَقطَعُ جِلدَه بِفِعلِه، فالذينَ هَتَكوا عِرضَ المُسلِمينَ جَعَلَ اللهُ تعالى وُجوهَهم وصُدورَهم مُشَوَّهةً قَبيحةً على أيديهم جَزاءً بِالمِثلِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ الوعيدِ الشَّديدِ لِلمُغتابينَ ومَن يَتَكَلَّمونَ في أعراضِ النَّاسِ.
وفيه التَّحذيرُ مِنَ الغِيبةِ وخُطورَتِها.
وفيه مَشروعيَّةُ السُّؤالِ عَمَّا يَراه الإنسانُ إذا كان له فيه فائِدةٌ دونَ السُّؤالِ عَمَّا لا يَعنيه .
[سنن أبي داود] (4/ 269) 4878- حدثنا ابن المصفى، حدثنا بقية، وأبو المغيرة، قالا: حدثنا صفوان قال: حدثني راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم)) قال أبو داود: حدثناه يحيى بن عثمان، عن بقية ، ليس فيه أنس
[مسند أحمد] (21/ 53 ط الرسالة) 13340- حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لما عرج بي ربي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم))