لا عَدْوى ، و لا طِيَرَةَ ، و لا هامَ ، إن تكن الطِّيَرَةُ في شيءٍ ففي الفرسِ و المرأةِ و الدارِ ، و إذا سمعتُم بالطَّاعونِ بأرضٍ فلا تَهبِطوا ، و إذا كان بأرضٍ و أنتُم بها فلا تَفِرُّوا منه
كان أهلُ الجاهليَّةِ يَعتَقِدونَ اعتِقاداتٍ فاسِدةً وباطِلةً، فجاءَ الإسلامُ وأبطَلَ كُلَّ تلك المُعتَقَداتِ، وجَعَلَ عَقيدةَ المُسلِمِ مَبنيَّةً على صِحَّةِ التَّوحيدِ وقوَّةِ اليَقينِ بِاللهِ، والِابتِعادِ عنِ الأوهامِ والخَيالاتِ التي تَعبَثُ بِالعُقولِ، ومِن ذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا عَدوى.
العَدوى: هيَ انتِقالُ المَرَضِ مِن شَخصٍ مَريضٍ لِآخَرَ سَليمٍ.
والمَعنى: نَفيُ الِاعتِقادِ بِأنَّ المَرَضَ يَنتَقِلُ بِسَبَبِ العَدوى، وإنَّما هو بِتَقديرِ اللهِ تعالى، ولا طِيَرَةَ.
التَّطَيُّرُ: هو التَّشاؤُمُ بِالشَّيءِ يُرى أو يُسمَعُ ويُتَوهَّمُ وقعُ المَكروهِ بِسَبَبِه، والمَعنى: نَفيُ الِاعتِقادِ بِأنَّ هذه الأُمورَ التي تَحصُلُ سَبَبٌ لِلمَكروهِ، بَل كُلُّها بِقدَرِ اللهِ تعالى، ولا هامَّ.
الهامَّةُ: اسمُ طائِرٍ، قيلَ: هو البومةُ، وقيلَ: غَيرُه، والمَعنى: نَفيُ الِاعتِقادِ بِالتَّشاؤُمِ بهذا الطَّيرِ، وهو إبطالٌ لِما كان يَعتَقِدُ أهلُ الجاهليَّةِ بِأنَّ روحَ القَتيلِ الذي لا يُؤخَذُ بِثَأرِه تَصيرُ هامَّةً، وتَظَلُّ تَصيحُ حتَّى يُؤخَذَ بِثَأرِ القَتيلِ؛ فنَفى الإسلامُ هذا المُعتَقدَ ونَهى عنه.
ثُمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إن تَكُنِ الطِّيَرةُ في شَيءٍ، أي: صحيحةً، أو إن تَقَعْ وتوجَدْ، ففي الفرَسِ والمَرأةِ والدَّارِ، أي: أنَّ النُّفوسَ قد يَقَعُ مِنها التَّشاؤُمُ بِهذه الأشياءِ أكثَرَ مِن غَيرِها، فشُؤمُ الفَرَسِ ألَّا يُجاهَدَ بِها في سَبيلِ اللهِ، وشُؤمُ المَرأةِ أن تَكونَ غَيرَ وَلودٍ أو غَيرَ صالِحةٍ، وسَيِّئةَ التَّعامُلِ، وشُؤمُ الدَّارِ: ضيقُها وسوءُ جِوارِها، فمَن كان لَه دارٌ يَكرَهُ سُكناها فليُفارِقْها بِأن يَنَتَقِلَ إلى دارٍ غَيرِها، أوِ امرَأةٌ يَكرَهُ صُحبَتَها فليُفارِقْها، أو فرَسٌ لا تُعجِبُه فليَبِعْها؛ فقد أباحَ الشَّرعُ لَه أن يَترُكَه ويَستَبدِلَ به غَيرَه مِمَّا تَطيبُ به نَفسُه، ويَسكُنُ لَه خاطِرُه، ولَم يُلزِمْه الشَّرعُ أن يُقيمَ في مَوضِعٍ يَكرَهُه، أو يَستَمِرَّ مَعَ امرَأةٍ يَكرَهُها، بَل قد فسَحَ لَه في تَركِ ذلك كُلِّه؛ وذلك لِأنَّ لِهذه الأشياءِ الثَّلاثةِ أهَمِّيَّةً عُظمى وأثَرًا كَبيرًا في حَياةِ الإنسانِ؛ فإن كانتِ المَرأةُ مُلائِمةً لِزَوجِها خُلُقًا، مُتَفاهِمةً مَعَه، مُخلِصةً لَه، مُطيعةً وفيَّةً، وكانتِ الدَّارُ صِحِّيَّةً واسِعةً مُناسِبةً لَه ولِأُسرَتِه، وكانتِ الفرَسُ وما في مَعانيها مِمَّا يُركَبُ -مِثلُ السَّيَّارةِ- قَويَّةً مُريحةً؛ ارتاحَ الإنسانُ في حَياتِه، وشَعَر بِالسَّعادةِ، وأحَسَّ بِالِاطمِئنانِ والِاستِقرارِ النَّفسيِّ.
وأمَّا إذا كانتِ الزَّوجةُ غَيرَ صالِحةٍ، أوِ الدَّارُ غَيرَ مُناسِبةٍ، أوِ الفرَسُ أوِ السَّيَّارةُ غَيرَ مُريحةٍ؛ فإنَّ الإنسانَ يَشعُرُ بِالتَّعاسةِ والقَلَقِ، ويَتعَبُ تَعَبًا جِسميًّا ونَفسيًّا مَعًا.
وقيلَ: الشُّؤمُ في هذه الثَّلاثةِ إنَّما يَلحَقُ مَن تَشاءَمَ بِها وتَطَيَّرَ بِها، أمَّا مَن تَوكَّلَ على اللهِ، ولَم يَتَشاءَمْ، ولَم يَتَطَيَّرْ؛ لَم تَكُنْ مشؤومةً عليه، وإخبارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِأنَّ الشُّؤمَ يَكونُ في هذه الثَّلاثةِ ليس فيه إثباتُ الطِّيَرةِ التي نَفاها، وإنَّما غايَتُه أنَّ اللَّهَ سُبحانَه قد يَخلُقُ مِنها أعيانًا مشؤومةً على مَن قارَبَها، وأعيانًا مُبارَكةً لا يَلحَقُ مَن قارَبَها مِنها شُؤمٌ ولا شَرٌّ، وكُلُّ ذلك بِقَضاءِ اللهِ وقدَرِه، كما خَلَقَ سائِرَ الأسبابِ ورَبَطَها بِمُسَبِّباتِها المُتَضادَّةِ والمُختَلِفةِ.
ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وإذا سَمِعتُم بِالطَّاعونِ.
وهو المَرَضُ العامُّ والوباءُ الذي يَفسُدُ لَه الهَواءُ، فتَفسُدُ به الأمزِجةُ والأبدانُ، بِأرضٍ، أي: في بَلَدٍ مُعَيَّنٍ، فلا تَهبِطوا، أي: فلا تَقدَموا عليه، والمُرادُ بِالهبوطِ هو القُدومُ، وعادةُ العَرَبِ أن يُسَمُّوا الذَّهابَ بِالصُّعودِ والقُدومِ بِالهبوطِ؛ ليَكونَ أسكَنَ لِأنفُسِكُم، وأقطَعَ لِوساوِسِ الشَّيطانِ، وإذا كان، أي: الطَّاعونُ، بِأرضٍ وأنتُم بِها، أي: وأنتُم في البَلَدِ الذي فيه الطَّاعونُ، فلا تَفِرُّوا مِنه، أي: لا تَخرُجوا مِن هذا البَلَدِ فِرارًا مِنَ الطَّاعونِ؛ لِئَلَّا يَكونَ مُعارَضةً للقَدَرِ، وحتَّى لا يَنتَشِرَ الوباءُ خارِجَ المَكانِ الذي بَدَأ فيه.
وفي الحَديثِ نَفيُ ما كانتِ الجاهليَّةُ تَزعُمُه وتَعتَقِدُه أنَّ المَرَضَ والعاهةَ تُعدِي بِطَبعِها لا بِفِعلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وفيه أنَّ الأسبابَ بيَدِ اللهِ، وهو الذي يُجريها، أو يَسلُبُها تَأثيرَها؛ فيَنبَغي الإيمانُ بِاللهِ وقُدرتِه.
وفيه دَعوةٌ إلى حُسنِ التَّوكُّلِ على اللهِ، وحُسنِ الِاعتِقادِ.
وفيه مَنعُ القُدومِ على بَلَدِ الطَّاعونِ، ومَنعُ الخُروجِ مِنه فِرارًا مِن ذلك .