- بعَثَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ إلى إِضَمٍ، فخرجتُ في نَفَرٍ مِنَ المُسلِمينَ، فيهم أبو قَتادةَ الحارثُ بنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلِّمُ بنُ جَثَّامةَ بنِ قَيسٍ، فخرَجْنا، حتَّى إذا كنَّا ببطنِ إِضَمٍ، مرَّ بنا عامِرٌ الأشجعيُّ على قَعودٍ له، معه مُتَيِّعٌ ، ووَطْبٌ مِن لبنٍ، فلمَّا مرَّ بنا، سلَّمَ علينا، فأمسَكْنا عنه، وحمَلَ عليه مُحَلِّمُ بنُ جَثَّامةَ فقتلَهُ بشيءٍ كان بينَه وبينَه، وأخَذَ بَعيرَه ومُتَيِّعَهُ، فلمَّا قدِمْنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ وأخبَرْناهُ الخبرَ، نزَلَ فينا القرآنُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94].
أخرجه أحمد (23927)، والطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (7/11)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (4/305) باختلاف يسير
التَّثَبُّتُ في الأخبارِ وأحوالِ النَّاسِ مَطلَبٌ مُهمٌّ وضَروريٌّ؛ لأنَّه قد يَتَرَتَّبُ على عَدَمِ التَّثَبُّتِ أضرارٌ وأذًى، فيَندَمُ المُستَعجِلُ بسَبَبِ تَسَرُّعِه وتَعَجُّلِه وعَدَمِ تَثَبُّتِه، وقد أمَرَ اللَّهُ تعالى المُؤمِنينَ بِالتَّثَبُّتِ، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] .
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ أبي حَدرَدٍ رَضِيَ اللهُ عنه بِشَأنِ قِصَّةٍ حَصَلَت لَهم، وسَبَبُها عَدَمُ التَّثَبُّتِ، وأنزَل اللَّهُ في ذلك آياتٍ، فيَقولُ: بَعَثَنا، أي: أرسَلَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى إِضَمٍ.
وهو اسمُ مَوضِعٍ شَمالَ المَدينةِ، يَقَعُ خَلفَ جَبَلِ أُحُدٍ، وهو مُجتَمَعُ أوديةِ المَدينةِ، فخَرَجتُ في نَفرٍ مِنَ المُسلِمينَ، أي: مَعَ جَماعةٍ مِنَ المُسلِمينَ، والنَّفَرُ: الجَماعةُ مِنَ الرِّجالِ ما بَينَ الثَّلاثةِ إلى العَشَرةِ، فيهم أبو قتادةَ الحارِثُ بنُ رِبعيٍّ، ومُحَلِّمُ بنُ جَثَّامةَ بنِ قَيسٍ.
فخَرَجنا، أي: سِرنا حتَّى إذا كُنَّا بِبَطنِ إِضَمٍ، أي: وسَطَه، مَرَّ بِنا عامِرٌ الأشجَعيُّ على قَعودٍ لَه.
وهو مِنَ الإبِلِ: ما أمكَنَ أن يُركَبَ، وأدناه أن يَكونَ لَه سَنَتانِ، مَعَه مُتَيِّعٌ.
وهو تَصغيرُ مَتاعٍ، أي: مَتاعٌ قَليلٌ، والمَتاعُ: كُلُّ ما يُنتَفَعُ به مِن عُروضِ الدُّنيا قَليلِها وكَثيرِها، ووَطْبٌ مِن لَبَنٍ.
والوَطْبُ: الزِّقُّ الذي يَكونُ فيه السَّمنُ واللَّبَنُ، وهو جِلدُ الجَذَعِ فما فوقَه.
فلَمَّا مَرَّ بِنا سَلَّمَ علينا، فأمسَكنا عنه، أي: مَرَّ بِهم عامِرٌ الأشجَعيُّ، فسَلَّمَ عليهم فلَم يَتَعَرَّضوا لَه بِقَتلٍ ولا غَيرِه لِكَونِه سلَّمَ عليهم؛ مِمَّا يَدُلُّ ذلك على إسلامِه.
وحَمَلَ عليه، أي: قامَ إليه، مُحَلِّمُ بنُ جَثَّامةَ، فقَتَلَه، أي: قَتَلَ عامِرًا الأشجَعيَّ، بِشَيءٍ كان بَينَه وبَينَه، أي: بسَبَبِ شَيءٍ آخَرَ كان بَينَه وبَينَه، وهذا يَدُلُّ على أنَّه لَم يَقتُلْه لِمُجَرَّدِ كَونِه شَكَّ في إسلامِه، بَل لذلك ولِشَيءٍ آخَرَ في نَفسِه، وأخَذَ بِعيرَه ومُتَيِّعَه، أي: استَولى مُحَلِّمٌ على جَمَلِ ومُتَيِّعِ عامِرٍ.
فلَمَّا قَدِمنا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأخبَرناه الخَبَرَ، أي: بِما وقَعَ مِن عامِرٍ من سَلامِه علينا وإمساكِنا عنه، وقَتلِ مُحَلِّمٍ لَه وأخْذِ ما مَعَه، نَزَلَ فينا القُرآنُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94] .
وفي الحَديثِ أهَمِّيَّةُ التَّثَبُّتِ وتَركِ العَجَلةِ.
وفيه أنَّ المُشرِكَ إذا تَكَلَّمَ بِما يُشبِهُ الإقرارَ بِالإسلامِ ويُشبِهُ غَيرَه، فيَنبَغي عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَه والتَّثَبُّتُ فيه.
وفيه بَيانُ سَبَبِ نُزولِ الآيةِ .
[مسند أحمد - قرطبة] (6/ 11) 23927- حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن أسحق حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبى حدرد عن أبيه عبد الله بن أبى حدرد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم مر بنا عامر الأشجعي على قعود له متيع ووطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا فامسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا.
[دلائل النبوة للبيهقي] (4/ 305) ((أخبرنا أبو نصر بن قتادة، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن سعد الحافظ، قال: حدثنا أبو عبد الله البوسنجي، قال: حدثنا النفيلي، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يزيد بن عبد الله ابن قسيط، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه ، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم نفر من المسلمين منهم أبو قتادة: الحارث بن ربعي، ومحلم ابن جثامة بن قيس، في نفر من المسلمين فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع له ووطب من لبن فسلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه الخبر، فنزل فينا القرآن: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا إلى آخر الآية))