عن مُحمَّدِ بنِ كَعْبٍ قالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه في رَمَضانَ وهو يُريدُ سَفَرًا، وقد رُحِلَتْ له راحِلتُه، ولَبِسَ ثِيابَ السَّفَرِ، فدَعا بطَعامٍ فأكَلَ، فقُلْتُ له: سُنَّةٌ؟ فقالَ: سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ.
الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ قائِمةٌ على التَّيسيرِ، ومِن أنواعِ التَّيسيرِ الرُّخصةُ في الإفطارِ في رَمَضانَ لِلمُسافِرِ، فيُشرَعُ لِلمُسافِرِ أن يُفطِرَ في رَمَضانَ؛ يَقولُ اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 183، 184] ، ولَكِنَّ هناكَ تَفصيلاتٍ كَثيرةً في أحكامِ الفِطرِ لِلمُسافِرِ، ومِنها: أنَّه هل يُفطِرُ المُسافِرُ وهو ما زالَ في البَلَدِ لَم يَخرُجْ مِنها أم لا يُفطِرُ إلَّا إذا خَرَجَ مِنَ البَلَدِ؟ فهذه مَسألةٌ اختَلَف العُلَماءُ فيها، فكان أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه يُفطِرُ قَبلَ الخُروج مِنَ البَلَدِ، يَقولُ مُحَمَّدُ بنُ كَعبٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: أتَيتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه في رَمَضانَ وهو يُريدُ سَفرًا، أي: قد عَزَمَ على السَّفرِ، وقد رُحِلَت لَه راحِلَتُه، أي: وُضِعَ الرَّحلُ على راحِلَتِه لِرُكوبِه وسَفرِه، والرَّاحِلةُ: هيَ البَعيرُ القَويُّ على الأسفارِ والأحمالِ.
والمَعنى: جُهِّزَت لَه لِلسَّفرِ عليها، ولَبِسَ ثيابَ السَّفرِ، أي: الثِّيابَ الخاصَّةَ بِالسَّفَرِ، فدَعا بِطَعامٍ فأكَلَ، أي: ثُمَّ دَعا بِالطَّعامِ فأكَلَ مِنه قَبلَ مُغادَرةِ البَلَدِ، فقال لَه مُحَمَّدُ بنُ كَعبٍ: سُنَّةٌ؟ أي: هل هذا الفِعلُ مِنَ السُّنَّةِ؛ أن يَأكُلَ المُسافِرُ قَبلَ خُروجِه مِنَ البَلَدِ؟ فقال أنَسٌ: سُنَّةٌ، أي: أجَلْ، هو مِنَ السُّنَّةِ.
ثُمَّ رَكِبَ، أي: رَكِبَ راحِلَتَه وسافرَ.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ فِطرِ المُسافِرِ في رَمَضانَ قَبلَ مُغادَرَتِه لِلبَلَدِ إذا عَزَمَ على السَّفرِ .