- نَزَلْتُ أنا وأهْلي ببَقيعِ الغَرْقَدِ، قالَ لي أهْلي: اذْهَبْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فسَلْه لنا شَيئًا نَأكُلُه، فجَعَلوا يَذكُرونَ مِن حاجتِهم، فذَهَبْتُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فوَجَدْتُ عنْدَه رَجُلًا يَسأَلُه، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ يقولُ: لا أَجِدُ ما أُعْطيك، فتَوَلَّى الرَّجُلُ عنه، وهو مُغضَبٌ وهو يَقولُ: لَعَمْري إنَّك لَتُعْطي مَن شِئْتَ! فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: يَغضَبُ علَيَّ أنْ لا أَجِدَ ما أُعْطيه؟! مَن سَألَ مِنكم وله أوقِيَّةٌ ، والأوقِيَّةُ أرْبَعونَ دِرْهَمًا، قالَ: فرَجَعْتُ ولم أَسأَلْه، فقَدِمَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ بَعْدَ ذلك شَعيرٌ وزَبيبٌ، فقَسَمَ لنا مِنه -أو كما قالَ- حتَّى أَغْنانا اللهُ عَزَّ وجَلَّ.

الدلالات الموضوعية:# سؤال - فضل التعفف والتصبر# سؤال - أخذ العطاء من غير مسألة ولا تطلع إليه# صدقة - سؤال السلطان# سؤال - الإلحاف في المسألة# سؤال - النهي عن المسألة
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: رجل من بني أسد
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح على شرط الشَّيْخين

الشرح والتوضيح

مَرَّ الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِأحوالٍ عَصيبةٍ مِن فقرٍ وجوعٍ، فتَحَمَّلوا وصَبَروا، كُلُّ ذلك في سَبيلِ اللهِ تعالى، ولَم يَكُنِ الرَّجُلُ مِنهم يَجِدُ شَيئًا يَأكُلُه، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَجِدُ ما يُعطيهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى فتَح عليهم وأغناهم، ومِمَّا جاءَ مِن بَيانِ حالِهم في ذلك أنَّ رَجُلًا مِن بَني أسَدٍ قال: نَزَلتُ أنا وأهلي ببَقيعِ الغَرقَدِ، أي: قَدِمَ هو وزَوجَتُه إلى المَدينةِ، فسَكَنوا عِندَ بَقيعِ الغَرقَدِ، والبَقيعُ في الأصلِ: المَكانُ المُتَّسِعُ مِنَ الأرضِ، والغَرقدُ: نَوعٌ مِنَ الشَّجَرِ فيه شَوكٌ، وبَقيعُ الغَرقَدِ مَكانٌ بِجِوارِ المَسجِدِ النَّبَويِّ مِن جِهةِ الشَّرقِ، وبِه مَقبَرةُ أهلِ المَدينةِ.

فقال لَه أهلُه: اذهَبْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَلْه لَنا شَيئًا نَأكُلُه، أي: اطلُبْ مِنه بَعضَ الطَّعامِ، فجَعَلوا يَذكُرونَ مِن حاجَتِهم، أي: أنَّهم فُقَراءُ ولا يوجِدُ لَدَيهم شَيءٌ، وهم مُحتاجونَ لِلمُساعَدةِ.

فذَهَبَ الرَّجُلُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فوَجَدَ عِندَ رَسولِ اللهِ رَجُلًا يَسألُه، أي: وافَقَ أنَّه وجَدَ عِندَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلًا آخَرَ يَطلُبُ مِنَ الرَّسولِ أن يُعطيَه حاجةً أو مالًا.

ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ لِذلك الرَّجُلِ: لا أجِدُ ما أُعطيك، أي: ليس عِندي شَيءٌ أُعطيك إيَّاه.

فتَولَّى، أي: انصَرَف الرَّجُلُ مِن عِندِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو مُغضَبٌ، أي: غَضِبَ لِقَولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واعتِذارِه إليه؛ حَيثُ لم يَجِدْ ما يُعطيه، والرَّجُلُ يَقولُ: لَعَمري، أي: أُقسِمُ بِحَياتي، إنَّك لتُعطي مَن شِئتَ! أي: إنَّك يا رَسولَ اللهِ لا تُعطي مَن يَستَحِقُّ بَل تُعطي حَسَبَ إرادَتِك! ولَعَلَّ هذا الرَّجُلَ كان حَديثَ عَهدٍ بِالإسلامِ أو مُنافِقًا، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يَغضَبُ عليَّ ألَّا أجِدَ ما أُعطيه؟! أي: كَيف يَغضَبُ عليَّ وأنا لَم أجِدْ شَيئًا أُعطيه، فليس لَه حَقٌّ في أن يَغضَبَ عليَّ.

ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن سَألَ مِنكُم ولَه أوقيَّةٌ -والأوقيَّةُ أربَعونَ دِرهَمًا، أي: أنَّ الأوقيَّةَ كانت في عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُساوي أربَعينَ دِرهَمًا- فقد سَألَ إلحافًا، أي: أنَّ الذي يَسألُ وعِندَه مِقدارُ أربَعينَ دِرهَمًا فقد ألحَف في السُّؤالِ، أي: ألَحَّ بِشِدَّةٍ في الطَّلَبِ مِن غَيرِ اضطِرارٍ؛ فعِندَه ما يَكفيه.

يَقولُ الرَّجُلُ الأسديُّ: فرَجَعتُ، أي: إلى مَنزِلي، ولَم أسأَلْه، أي: عِندَما سَمِعَ قَولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِلرَّجُلِ رَجَعَ ولَم يَسألْ، وهذا يَدُلُّ على قوَّةِ فَهمِه؛ فقد كَفَته هذه المُحاورةُ التي جَرَت بَينَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبَينَ ذلك الرَّجُلِ، وقال: لَلِقْحةٌ -وهيَ النَّاقةُ ذاتُ اللَّبَنِ- خَيرٌ مِن أوقيَّةٍ، أي: أنَّ هذه النَّاقةَ التي مَعنا أفضَلُ مِنَ الأوقيَّةِ، فلا يَصِحُّ لي السُّؤالُ؛ ولِذلك رَجَعَ.

يَقولُ الأسديُّ: ثُمَّ إنَّه قدِمَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ ذلك، أي: بَعدَ تلك الحادِثةِ، شَعيرٌ وزَبيبٌ، فقَسَّمَ لَنا مِنه، أي: أعطانا مِن ذلك.

أو كما قال، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي، حتَّى أغنانا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، أي: أغناهمُ اللهُ تعالى عنِ السُّؤالِ بِما قَسَّمَه لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ سُؤالِ الطَّعامِ مِنَ الإمامِ عِندَ الِاحتياجِ إليه.

وفيه أنَّه مَن كان عِندَه الكِفايةُ فلا يُشرَعُ لَه السُّؤالُ.

وفيه بَيانُ ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن صَبرِه وحِلمِه على مَن أساءَ إليه.

وفيه بَيانُ شِدَّةِ الفقرِ الذي حَصَلَ لِلصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .

أحاديث ذات صلة