مثلُ ابنِ آدمَ ومالُه وأهلُه وعملُه كرجلٍ له ثلاثةُ إخوةٍ ، أو ثلاثةُ أصحابٍ ، فقال أحدُهم : أنا معك حياتُك ، فإذا متَّ فلستُ منك ولستَ مني ؛ فهو مالُه ، وقال الآخرُ : أنا معك ، فإذا بلغتُ تلك الشجرةَ فلستُ منك ولستَ مني ، وقال الآخرُ : أنا معك حيًّا وميتًا
أخرجه البزار (8356)
رَغَّبَتِ الشَّريعةُ وحَثَّتِ المَرءَ على كَثرةِ العَمَلِ الصَّالِحِ والِازديادِ مِنه ما دامَت رُوحُه في جَسَدِه؛ فإنَّه إذا ماتَ الإنسانُ انقَطَعَ عَمَلُه ولَم يَنفَعْه إلَّا ما قدَّمَ مِن عَمَلِه الصَّالِحِ، فالمَرءُ إذا ماتَ تَبِعَه إلى قَبرِه أهلُه ومالُه وعَمَلُه، فيَرجِعُ أهلُه ومالُه، ويَبقى مَعَه في قَبرِه عَمَلُه، وقد ضَرَبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِذلك مَثَلًا، فقال: مَثَلُ ابنِ آدَمَ ومالِه وأهلِه وعَمَلِه كَرَجُلٍ لَه ثَلاثةُ إخوةٍ، أو ثَلاثةُ أصحابٍ.
وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي، والمَعنى واحِدٌ، فقال أحَدُهم، أي: قال أحَدُ الإخوةِ أوِ الأصحابِ: أنا مَعَك حَياتَك، أي: أنا سَوف أبقى مَعَك مُدَّةَ حَياتِك، فإذا مُتَّ فلَستُ مِنك ولَستَ مِنِّي، أي: فلا تَعَلُّقَ لَك بي ولا تَعَلُّقَ لي بِك؛ فهو مالُه، أي: وهذا هو مالُ الإنسانِ الذي يَكونُ مَعَه في الحَياةِ الدُّنيا يَتَصَرَّفُ فيه كَيف شاءَ، فإذا ماتَ الإنسانُ فارقَه مالُه وتَرَكَه.
وقال الآخَرُ، أي: قال الأخُ أوِ الصَّاحِبُ الثَّاني: أنا مَعَك، أي: أنا سَأكونُ مَعَك، فإذا بَلَغتَ تلك الشَّجَرةَ -أي: إذا بَلَغتَ تلك الغايةَ، والشَّجَرةُ هنا كِنايةٌ عنِ القَبرِ- فلستُ مِنك ولستَ مِنِّي، أي: فعِندَ ذلك أتَخَلَّى عنك وأترُكُك وأُفارِقُك.
وهذا هو أهلُه يَتَخَلَّونَ عنه عِندَ دَفنِه ويَترُكونَه.
وقال الآخَرُ، أي: قال الأخُ أوِ الصَّاحِبُ الثَّالِثُ: أنا مَعَك حَيًّا ومَيِّتًا، أي: أنا أصحَبُك وأكونُ مَعَك في جَميعِ أحوالِك في الحَياةِ وبَعدَ المَوتِ في قَبرِك ولا أُفارِقُك أبَدًا، وهذا هو عَمَلُه الذي يَبقى مَعَه بَعدَ مَوتِه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ ضَربِ الأمثالِ لتَقريبِ الفهمِ لِلسَّامِعينَ.
وفيه الحَثُّ على الأعمالِ الصَّالِحةِ، فهيَ التي تَبقى مَعَ المَرءِ بَعدَ مَماتِه.
وفيه أنَّ الذي يَتبَعُ المَرءَ إلى قَبرِه ثَلاثةٌ، فيَرجِعُ أهلُه ومالُه، ويَبقى عَمَلُه مَعَه في قَبرِه .