بينا نحن عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ظلِّ شجرةٍ بينَ مكةَ والمدينةِ إذ جاء أعرابيٌّ من أخلقِ الرجالِ وأشدِّهم فقال يا رسولَ اللهِ إني أحبُّ أن أكونَ معَك وأجدُ بي قوةً وأُحِبُّ أن أقاتلَ العدوَّ معك وأُقتلَ بينَ يدَيك فقال هل لك من والدينِ قال نعم قال انطلقْ فالحقْ بهما وبِرَّهما واشكرْ للهِ ولهما قال إني أجدُ قوةً ونشاطًا لقتالِ العدوِّ قال انطلقْ فالحقْ بهما فأدبر فجعلنا نتعجبُ من خُلُقِه وجِسمِه
إنَّ مِنَ الأعمالِ الفاضِلةِ العَظيمةِ بِرَّ الوالِدَينِ والإحسانَ إليهما؛ فقد وصَّى اللَّهُ تعالى بِالوالِدَينِ، وقَرَنَ ذلك بِعِبادَتِه في آياتٍ كَثيرةٍ في القُرآنِ، قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36] ، بَل جَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِرَّ الوالِدَينِ مُقدَّمًا على الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ؛ وذلك لِما قامَ بِه الوالِدانِ مِنَ العِنايةِ والرِّعايةِ بِأبنائِهم، ولِما تَحمَّلاه مِنَ المَشاقِّ في سَبيلِ تَربيَتِهم، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أحَدُ الصَّحابةِ فيَقولُ: بَينا نَحنُ أي: أنَّهم كانوا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ظِلِّ شَجَرةٍ، أي: مُستَظِلِّينَ، بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ.
ولَعَلَّهم كانوا في سَفَرٍ أو غَزوٍ خارِجَ المَدينةِ، إذ جاءَ أعرابيٌّ، والأعرابُ همُ الذينَ يَسكُنونَ الباديةَ، مِن أخلَقِ الرِّجالِ، أي: كان رَجُلًا عَظيمَ الجِسمِ والخِلقةِ، وأشَدِّهم، أي: قَويًّا شَديدًا.
والمَعنى: أنَّه أُوتيَ بَسطةً في الجِسمِ والقوَّةِ.
فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أُحِبُّ أن أكونَ مَعَك، أي: أُريدُ أن أُجاهِدَ مَعَك في سَبيلِ اللهِ، وأجِدُ بي قوَّةً، أي: عِندي قوَّةٌ كَبيرةٌ، وأحِبُّ أن أُقاتِلَ العَدوَّ مَعَك، أي: في الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، وأُقتَلَ بَينَ يَدَيك، أي: أُريدُ أن يَرزُقَني اللهُ الشَّهادةَ وأموتَ أمامَك.
فقال لَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هل لَك مِن والِدَينِ، أي: هل أبَواك مَوجودانِ؟ فقال الأعرابيُّ: نَعَم.
فقال لَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: انطَلِقْ، أي: اذهَبْ فالحَقْ بِهما، أي: بِوالِدَيك، وبَرَّهما، أي: اخدُمْهما وأطِعْهما، وأحسِنْ إليهما غايةَ الإحسانِ واشكُرْ لِلَّهِ، أي: اشكُرِ اللَّهَ على ما أنعَمَ بِه عليك مِن نِعَمٍ، ولَهما، أي: واشكُرْ لِوالِدَيك على ما قاما بِه مِن تَربيَتِك ورِعايَتِك، كما قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] .
فقال الأعرابيُّ: إنِّي أجِدُ قوَّةً ونَشاطًا لِقِتالِ العَدوِّ، أي: عِندي مِنَ القوَّةِ لِلجِهادِ والقِتالِ، فأُريدُ أن أجعَلَ قوَّتي في الجِهادِ.
فقال لَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: انطَلِقْ فالحَقْ بِهما، أي: اذهَبْ إلى والِدَيك وأحسِنْ إليهما.
فأدبَرَ، أي: انصَرَف وذَهَبَ.
فجَعَلنا نَتَعَجَّبُ مِن خَلقِه وجِسمِه، أي: ظَلَّ الصَّحابةُ يَتَعَجَّبونَ لِهذا الرَّجُلِ مِمَّا آتاه اللهُ مِن عِظَمِ الجِسمِ والخِلقةِ والقوَّةِ.
وفي الحَديثِ فَضلُ بِرّ الوالِدَينِ.
وفيه تَقديمُ بِرِّ الوالِدَينِ على الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ .