سجدتَ يا أبا سعيدٍ ؟ قلتُ : لا .
قال : فأنت أَحَقُّ بالسجودِ من الشجرةِ ثم قرأ رسولُ اللهِ سورةَ ص ، ثم أتى السجدةَ فسجد ، وقال في سجودِه ما قالت الشجرةُ في سجودِها .
مِنَ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ المُتَعَلِّقةِ بِقِراءةِ القُرآنِ ما يَتَعَلَّقُ بِسُجودِ التِّلاوةِ؛ فقد ورَدَت عِدَّةُ سَجَداتٍ في القُرآنِ، وقد سَجَدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَعضِها؛ ولهذا يُشرَعُ لِمَن مَرَّ بِآيةِ سَجدةٍ أن يَسجُدَ فيها، وهيَ تُشرَعُ لِلقارِئِ ولِمَن يَستَمِعُ لَه، وهذا الحَديثُ لَه سَبَبٌ وقِصَّةٌ؛ فقد جاءَ في رِوايةٍ أُخرى توضِّحُه أنَّ أبا سَعيدٍ الخُدريَّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: رَأيتُ فيما يَرى النَّائِمُ كَأنِّي تَحتَ شَجَرةٍ، وكَأنَّ الشَّجَرةَ تَقرَأُ ص، أي: تَقرَأُ سورةَ ص، فلمَّا أتَت على السَّجدةِ، أي: لمَّا وصَلَتِ الشَّجَرةُ في قِراءَتِها لِسورةِ ص عِندَ مَوضِعِ آيةِ السَّجدةِ -وهيَ قَولُه تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] - سَجَدَتِ الشَّجَرةُ، وقالت في سُجودِها: اللهُمَّ اغفِرْ لي بِها، اللهُمَّ حُطَّ عني بِها وِزرًا، وأحدِثْ لي بِها شُكرًا، وتَقَبَّلْها مِنِّي كما تَقَبَّلتَ مِن عَبدِك داودَ سَجدَته.
يَقولُ أبو سَعيدٍ: فغَدَوتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: ذَهَبتُ إليه فأخبَرتُه، أي: أخبَرتُه بما رَأيتُه في مَنامي وبِما فعَلَته الشَّجَرةُ، فقال لَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سَجَدتَ يا أبا سَعيدٍ؟ أي: هل سَجَدتَ عِندَما سَجَدَتِ الشَّجَرةُ؟ فقال أبو سَعيدٍ: لا، أي: لَم أسجُدْ.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فأنتَ أحَقُّ بِالسُّجودِ مِنَ الشَّجَرةِ، أي: كُنتَ أَولى وأحرى أن تَسجُدَ أنتَ، فإذا كانتِ الشَّجَرةُ تَسجُدُ وهيَ غَيرُ مُكَلَّفةٍ فأنتَ أولى بِذلك.
يَقولُ أبو سَعيدٍ: ثُمَّ قَرَأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سورةَ ص، أي: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَرَأ بَعدَ ذلك سورةَ ص، ثُمَّ أتى السَّجدةَ، أي: حتَّى وصَلَ إلى مَوضِعِ آيةِ السَّجدةِ، فسَجَدَ، أي: سَجَدَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال في سُجودِه ما قالتِ الشَّجَرةُ في سُجودِها، أي: مِثلَ الدُّعاءِ التي قالته الشَّجَرةُ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ سُجودِ التِّلاوةِ عِندَ قِراءةِ آيةِ السَّجدةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ السُّجودِ في سورةِ ص.
وفيه مَشروعيَّةُ الدُّعاءِ في سُجودِ التِّلاوةِ بهذا الدُّعاءِ .