مرَّ علَيْنا رسولُ اللهِ ونحنُ نُعالِجُ خُصًّا لنا، فقال: (ما هذا؟) قُلنا: خُصٌّ لنا وَهَى، نحنُ نُصلِحُه، فقال عليه السَّلامُ: (ما أرى الأمْرَ إلَّا أعْجَلَ مِن ذلك).

الدلالات الموضوعية:# جنائز وموت - الأمل والأجل# رقائق وزهد - الزهد في الدنيا# رقائق وزهد - ذكر الموت# رقائق وزهد - عيش السلف
المصدر: ما تمس إليه الحاجة
الراوي: عبدالله بن عمرو
المحدث: ابن الملقن
الحكم:صحيح

الشرح والتوضيح

الدُّنيا دارُ عَمَلٍ واختِبارٍ، وليست دارَ بَقاءٍ واستِقرارٍ؛ ولِهذا فقد جاءَتِ النُّصوصُ الشَّرعيَّةُ بالتَّرغيبِ في الزُّهدِ في الدُّنيا والإقبالِ على أعمالِ الآخِرةِ؛ فهيَ التي تَبقى، ولا يَكونُ همُّ الإنسانِ وشُغلُه وتَفكيرُه في الدُّنيا بجَمعِ الأموالِ وبِناءِ البُيوتِ وغَيرِ ذلك مِن زينَتِها ومَتاعِها، ويَغفُلُ عنِ الآخِرةِ؛ فالدُّنيا عُمرُها قَليلٌ، وما هيَ إلَّا أيَّامٌ قَلائِلُ ويَنتَقِلُ الإنسانُ للدَّارِ الآخِرةِ، وفيها يَحصُدُ الإنسانُ ما قدَّمَ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُذَكِّرُ أصحابَه بأن يَكونَ اهتِمامُهم بأمرِ الآخِرةِ أكبَرَ مِن كُلِّ شَيءٍ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرٍو رضِيَ اللهُ عنهما: مَرَّ علينا رَسولُ اللهِ ونَحنُ نُعالِجُ، أي: نُصلِحُ خُصًّا لَنا.

الخُصُّ: بَيتٌ يُعمَلُ مِنَ الخَشَبِ والقَصَبِ، سُمِّيَ به لِما فيه مِنَ الخَصاصِ، وهيَ الفُرَجُ والثُّقوبُ، والمَعنى: أنَّ النَّبيَّ مَرَّ عليهم وهم يُصلِحونَ هذا الخُصَّ، فقال لهم: ما هذا؟ أي: ما الذي تَفعَلونَه؟ قُلنا: خُصٌّ لَنا وهى، أي: ضَعُف وتَشَقَّقَ وكادَ يَسقُطُ، نَحنُ نُصلِحُه، أي: فنَحنُ نَقومُ بإعادةِ بنائِه ونَربُطُ بَعضَه ببَعضٍ لئَلَّا يَسقُطَ على الأرضِ.

فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أرى الأمرَ، أي: ما أظُنُّ أمرَ اللهِ وقَضاءَه بالمَوتِ، إلَّا أعجَلَ، أي: أسرَعَ، مِن ذلك! أي: مِنَ الانتِفاعِ بذلك الخُصِّ.

والمَعنى: ما أظُنُّ المَوتَ على وَجهِ الاحتِمالِ إلَّا أن يَكونَ أسرَعَ مِنَ الانتِفاعِ بهذا الخُصِّ؛ فلا يَنبَغي للعاقِلِ أن يَشتَغِلَ بما يُتعِبُه على كُلِّ حالٍ، فأنتَ تُصلِحُ بَيتَك خَشيةَ أن يَنهَدِمَ قَبلَ أن تَموتَ، ورُبَّما تَموتُ قَبلَ أن يَنهَدِمَ، فإصلاحُ عَمَلِك أَولى مِن إصلاحِ بَيتِك، وليس في هذا نَهيٌ عَمَّا كانوا فيه مِنَ الإصلاحِ، بَلِ المَقصودُ تَذكيرُهم بالمَوتِ، والتَّنبيهُ على أنَّ المَرءَ لا يَنبَغي له أن يَلهوَ بشَيءٍ مِنَ المَشاغِلِ عن مَصيرِه وعاقِبَته.

وفي الحَديثِ الحَثُّ على المُبادَرةِ إلى الأعمالِ الصَّالِحةِ واغتِنامِها قَبلَ هجومِ المَوتِ وانقِطاعِ الأمَلِ.

وفيه الحَثُّ على تَركِ الاشتِغالِ بالأُمورِ الدُّنيَويَّةِ إلَّا ما لا بُدَّ مِنه، ويَكونُ بقَدرِ الضَّرورةِ دونَ زيادةٍ عليها.

وفيه بَيانُ أنَّ الدُّنيا مَهما طالَت فهيَ قَصيرةٌ ومُنتَهيةٌ .

أحاديث ذات صلة