المَسائلُ كَدٌّ يَكُدُّ بها الرَّجُلُ وَجهَه، فمَن شاء أبقى على وَجهِه، ومَن شاء تَرَكَ، إلَّا أنْ يَسألَ رَجُلٌ ذا سُلْطانٍ، أو يَسألَ في أمْرٍ لا بُدَّ منه.
أخرجه أبو داود (1639)، والترمذي (681)، والنسائي (2599)، وأحمد (20106) واللفظ له
جاءَ الإسلامُ بحِفظِ كَرامةِ الإنسانِ مِن ذُلِّ السُّؤالِ، وأنَّ اليَدَ العُليا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلى؛ ولِهذا ورَدَ الذَّمُّ الشَّديدُ لمَن سَألَ النَّاسَ أموالَهم، بَل على الشَّخصِ أن يَعمَلَ ويَكتَسِبَ ويَعِفَّ نَفسَه عنِ المَسألةِ؛ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: المَسائِلُ.
جَمعُ مَسألةٍ، وهيَ سُؤالُ النَّاسِ وطَلَبُهم ما عِندَهم مِنَ الأموالِ، كَدٌّ، والكَدُّ: الإتعابُ، وقيلَ: قَشرٌ للجِلدِ عن وَجهِه، يَكُدُّ بها الرَّجُلُ وَجهَه.
المُرادُ بالوَجهِ ماؤُه ورَونَقُه، أي: يُذهِبُ بالمَسألةِ ماءَ وَجهِه ورَونَقَه كُلَّما سَألَ أحدًا، ويَسعى في ذَهابِ عِرضِه بالسُّؤالِ فيُريقُ ماءَ وَجهِه، فمَن شاءَ أبقى، أي: الكَدَّ على وَجهِه، أي: بالسُّؤالِ، ومَن شاءَ تَرَكَ، أي: بتَركِ السُّؤالِ، وقيلَ المَعنى أيضًا: مَن أرادَ إبقاءَ كَرامَتِه وحِفظَ ماءِ وَجهِه وعِرضِه تَرَكَ السُّؤالَ تَعَفُّفًا، ومَن أرادَ خِلافَ ذلك أضاعَ ماءَ وَجهِه بالسُّؤالِ وعَدَمِ التَّعَفُّفِ، وهذا تَخييرٌ على جِهةِ التَّهديدِ والوعيدِ الشَّديدِ بَعدَ البَيانِ، إلَّا أن يَسألَ الرَّجُلُ ذا سُلطانٍ، أي: يُستَثنى مِن ذَمِّ المَسألةِ أن يَسألَ الرَّجُلُ الإمامَ الذي له سُلطةٌ على بَيتِ المالِ، فيُباحُ السُّؤالُ حينَئِذٍ ولا مِنَّةَ للسُّلطانِ في ذلك؛ لأنَّه مُتَولٍّ بَيتَ مالِ المُسلِمينَ ووكيلٌ على حُقوقِهم، فإذا سَألَه المُحتاجونَ فإنَّما يَسألونَه حُقوقهم.
أو في أمرٍ لا يَجِدُ مِنه بُدًّا، أي: أن يَسألَ الشَّخصُ لأجلِ أمرٍ لا يَجِدُ مِنه خَلاصًا إلَّا بالسُّؤالِ، فيُباحُ له السُّؤالُ، كما إذا تَحَمَّلَ دَينًا لإصلاحِ ذاتِ البَينِ، أو أصابَته فاقةٌ شَديدةٌ؛ فإنَّه يَجوزُ له السُّؤالُ.
وفي الحَديثِ ذَمُّ المَسألةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ سُؤالِ السُّلطانِ مِنَ الزَّكاةِ أوِ الخُمسِ أو بَيتِ المالِ أو نَحوِ ذلك.
وفيه مَشروعيَّةُ المَسألةِ عِندَ الضَّرورةِ والحاجةِ التي لا بُدَّ عِندَها مِنَ السُّؤالِ .
[سنن أبي داود] (1/ 515) 1639- حدثنا حفص بن عمر النمري ثنا شعبة عن عبد الملك بن عمير عن زيد بن عقبة الفزاري عن سمرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا)).
[سنن الترمذي] (3/ 65) 681- حدثنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه
قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح
[سنن النسائي] (5/ 100) 2599- أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: محمد بن بشر، قال: أنبأنا شعبة، عن عبد الملك، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المسائل كدوح، يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء كدح وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو شيئا لا يجد منه بدا))
[مسند أحمد] (33/ 297) 20106- حدثنا حسن بن موسى، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن عبد الملك، عن زيد بن عقبة الفزاري، قال: دخلت على الحجاج بن يوسف، فقلت: أصلح الله الأمير، ألا أحدثك حديثا حدثنيه سمرة بن جندب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بلى، قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( المسائل كد يكد بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل رجل ذا سلطان، أو يسأل في أمر لا بد منه))