والذي نَفْسي بيدِه ما أحدُكم بأشدَّ مُناشدةً في الحقِّ يَراه مُصيبا له مِنَ المؤمنين في إخوانِهم ، إذا رأوا أنْ قَدْ خُلِّصوا مِنَ النارِ ، يقولون : أيْ ربَّنا ! إخوانُنا كانوا يُصلُّون معنا ، ويصومون معنا ويحُجُّون معنا ، ويُجاهِدون معنا ، قد أخذَتْهم النارُ ، فيقولُ اللهُ لهم : اذهبوا فمن عرَفْتم صورتَه فأخرِجوه ، ويُحَرِّمُ صورتَهم على النارِ ، فيجدون الرجلَ قد أخذتْه النارُ إلى أنصافِ ساقيه ، وإلى ركبتيه ، وإلى حُقوَيه ، فيُخرِجون منها بَشَرًا كثيرًا ، ثم يعودون فيتكلمون ، فيقولُ : اذهبوا فمَنْ وجدتم في قلبِه مثقالَ قِيراطِ خيرٍ فأخرِجوه ! فيُخرِجون منها بشَرًا كثيرًا ، ثم يعودون فيتكلمون ، فلا يزالُ يقولُ لهم ذلك ، حتى يقولَ : اذهبوا فمَنْ وجدتُم في قلبِه مثقالَ ذرَّةٍ فأخرِجوه ! فكان أبو سعيدٍ إذا حدَّث بهذا الحديثِ قال : إنْ لم تُصدِّقوا فاقرءوا : ?إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا? فيقولون : ربَّنا لم نذَرْ فيها خيرًا
أخرجه البخاري (7439)، ومسلم (183) مطولا.
مِن أركانِ الإيمانِ: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، وذلك يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بما يَكونُ في ذلك اليَومِ مِنَ الأهوالِ والأحوالِ والمَواقِفِ العِظامِ، وإنَّ مِنَ الأُمورِ المُتَعَلِّقةِ باليَومِ الآخِرِ: إثباتَ الشَّفاعةِ، وهيَ على أنواعٍ، وأعظَمُها شَفاعةُ نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في فَصلِ القَضاءِ بَينَ الخَلقِ، ومِن أنواعِ الشَّفاعةِ شَفاعةُ المُؤمِنينَ في إخراجِ أقوامٍ مِنَ النَّارِ خَلَطوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، ومَن في قَلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ، ومِمَّا جاءَ في ذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: والذي نَفسي بيَدِه، ما أحَدُكُم بأشَدَّ مُناشَدةً، أي: مُطالَبةً في الحَقِّ يَراه مُصيبًا له، مِنَ المُؤمِنينَ في إخوانِهم إذا رَأوا أنْ قد خَلَصوا، أي: نَجَوا وأُبعِدوا مِنَ النَّارِ.
والمَعنى: إذا خَلَّصَ اللَّهُ سُبحانَه وتعالى المُؤمِنينَ ونَجَّاهم مِنَ النَّارِ وأمِنوا على أنفُسِهم مِن دُخولِها، فليست مُطالَبةُ أحَدِكُم في الدُّنيا لغَريمِه بالحَقِّ الذي كان له عليه أشَدَّ مُطالَبةً مِن مُطالَبةِ المُؤمِنينَ لرَبِّهم وسُؤالِهم إيَّاه يَومَ القيامةِ في شُؤونِ إخوانِهم، فيُناشِدونَ اللَّهَ سُبحانَه وتعالى أن يُخرِجَ إخوانَهم مِنَ النَّارِ، فيَدخُلوا مَعَهمُ الجَنَّةَ، يَقولونَ: أيْ رَبَّنا، أي: يَقولُ المُؤمِنونَ: نَسألُك يا رَبِّ ونَشفَعُ عِندَك في إخوانِنا كانوا يُصَلُّونَ مَعنا، ويَصومونَ مَعنا، ويَحُجُّونَ مَعنا، ويُجاهِدونَ مَعنا، أي: كانوا يَفعَلونَ هذه العِباداتِ في الدُّنيا كما كُنَّا نَفعَلُها، وليس المُرادُ أنَّهم كانوا يَجتَمِعونَ مَعَ بَعضٍ في فِعلِها؛ فإنَّه لا يُشتَرَطُ ذلك، قد أخَذَتهمُ النَّارُ، أي: فنَراهم يا رَبِّ الآنَ وقد دَخَلوا النَّار، فإنَّا نَشفَعُ فيهم ونَرجو أن تَقبَلَ شَفاعَتَنا فيهم، فيَقولُ اللهُ لهم: اذهَبوا، أي: إلى النَّارِ، فمَن عَرَفتُم، أي: مِن إخوانِكُمُ المَوصوفينَ بما ذَكَرتُم، صورتَه فأخرِجوه، أي: مِنَ النَّارِ، ويُحَرِّمُ صورَتَهم على النَّارِ، أي: يَمنَعُ اللهُ النَّارَ أن تُحرِقَ وُجوهَ أولئك القَومِ؛ فإنَّ اللَّهَ قد حَرَّمَ على النَّارِ أن تَأكُلَ آثارَ السُّجودِ، فيَذهَبونَ إلى النَّارِ فيَجِدونَ الرَّجُلَ، أي: مِمَّن يَعرِفونَه، قد أخَذَته النَّارُ إلى أنصافِ ساقَيه، أي: بَلَغَ به العَذابُ حتَّى وصَلَ نِصفَ ساقَيه، وإلى رُكبَتَيه، أي: وبَعضُهم بَلَغَ به العَذابُ إلى رُكبَتَيه، وإلى حَقْوَيه، أي: وبَعضُهم وصَلَ به العَذابُ حَقْوَيه، وهو مَكانُ مَعقِدِ الإزارِ، والمَعنى: أنَّ عَذابَهم يَكونُ على حَسَبِ المَعاصي، فيُخرِجونَ مِنها بَشَرًا كَثيرًا، أي: أنَّهم يُخرِجونَ مِنَ النَّارِ خَلقًا كَثيرًا، ثُمَّ يَعودونَ فيَتَكَلَّمونَ، أي: يَرجِعُ هؤلاء المُؤمِنونَ إلى اللهِ تعالى ويُكَلِّمونَه مَرَّةً أُخرى في أن يُشَفِّعَهم في أُناسٍ آخَرينَ في النَّارِ، فيَقولُ اللهُ لهم: اذهَبوا، أي: إلى النَّارِ، فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ قيراطٍ -أي: مِقدارَ جُزءٍ يَسيرٍ، والقيراطُ: جُزءٌ مِن أجزاءِ الدِّينارِ، والمَعنى: مَن في قَلبِه قَدرُ أقَلِّ القَليلِ- مِن خَيرٍ فأخرِجوه، أي: فأخرجوه مِنَ النَّارِ، فيَذهَبونَ فيُخرِجونَ مِنها، أي: مِنَ النَّارِ بَشَرًا كَثيرًا، أي: خَلقًا كَثيرًا.
ثُمَّ يعودونَ مَرَّةً ثالِثةً إلى اللهِ، فيَتَكَلَّمونَ ويَطلُبونَ مِنه أن يُشَفِّعَهم في أُناسٍ آخَرينَ، فلا يَزالُ اللهُ يَقولُ لهم ذلك، أي: يَقولُ لهمُ: اذهَبوا فأخرِجوا مِنها كَذا وكَذا، حتَّى يَقولَ لهم: اذهَبوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ ذَرَّةٍ، أي: مِقدارَ نَملةٍ صَغيرةٍ، مِنَ الإيمانِ فأخرِجوه، أي: فأخرِجوه مِنَ النَّارِ.
فكان أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو راوي الحَديثِ، إذا حَدَّثَ بهذا الحَديثِ قال: إن لَم تُصَدِّقوا، أي بهذا الذي ذُكِرَ في هذا الحَديثِ مِن خُروجِ الموحِّدينَ الذينَ عِندَهم شَيءٌ مِنَ الإيمانِ مِنَ النَّارِ بشَفاعةِ إخوانِهمُ المُؤمِنينَ الصَّالِحينَ، فاقرَؤوا قَولَه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] ، وهذا ليس على مَعنى أنَّهمُ اتَّهَموه، وإنَّما كان مِنه على مَعنى التَّأكيدِ، فيَقولونَ: رَبَّنا لم نَذَرْ فيها خَيرًا، أي: يَقولُ المُؤمِنونَ بَعدَ أن أخرَجوا مِنها مَن أخرَجوا، لَم نَترُكْ في النَّارِ يا رَبِّ مَن فيه خَيرٌ.
وفي الحَديثِ إثباتُ شَفاعةِ المُؤمِنينَ في إخراجِ أقوامٍ مِنَ النَّارِ.
وفيه بَيانُ سَعةِ رَحمةِ اللهِ تعالى وفضلِه على عِبادِه.
وفيه أنَّ عُصاةَ المُسلِمينَ يُعَذَّبونَ في النَّارِ على قَدرِ مَعاصيهم، ثُمَّ يُخرِجُهمُ اللهُ بفضلِه، ثُمَّ بشَفاعةِ الشَّافِعينَ.
وفيه أنَّ الوَجهَ لا تُؤَثِّرُ فيه النَّارُ؛ إكرامًا لمَحَلِّ السُّجودِ.
وفيه إثباتُ مُخاطَبةِ المُؤمِنينَ للهِ تعالى ومُخاطَبةِ اللهِ لهم.
وفيه تَصديقُ القُرآنِ للسُّنَّةِ .
[تفسير الطبري] (7/ 30) :
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا هشام بن سعد، قال: أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، [[عن أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم]] "والذي نفسي بيده، ما أحدكم بأشد مناشدة في الحق يراه مصيبا له من المؤمنين في إخوانهم إذا رأوا أن قد خلصوا من النار، يقولون: أي ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا ويجاهدون معنا، قد أخذتهم النار، فيقول الله لهم: اذهبوا فمن عرفتم صورته فأخرجوه، ويحرم صورهم على النار، فيجدون الرجل قد أخذته النار إلى [[قدميه وإلى]] أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه وإلى حقويه، فيخرجون منها بشرا كثيرا، ثم يعودون فيتكلمون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط خير فأخرجوه.
فيخرجون منها بشرا كثيرا، ثم يعودون فيتكلمون [[فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف قيراط خير فأخرجوه.
فيخرجون منها بشرا كثيرا، ثم يعودون فيتكلمون]] "فلا يزال يقول ذلك لهم حتى يقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة فأخرجوه".
فكان أبو سعيد إذا حدث بهذا الحديث، قال: إن لم تصدقوا فاقرءوا: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما}.
"فيقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا".
[صحيح البخاري] (9/ 129) :
7439 - حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا.
قلنا: لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما ثم قال: ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير بن الله، فيقال: كذبتم،
لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم.
ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح بن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر، ربنا قال: فيأتيهم الجبار فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه، فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا، ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم قلنا يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا، في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا، كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، إلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه.
[صحيح مسلم] (1/ 114) :
302 - (183) وحدثني سويد بن سعيد قال: حدثني حفص بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري أن ناسا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله.
فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا - مرتين أو ثلاثا - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم.
قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب، وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا، ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها خيرا، وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما}، فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر؟ ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض، فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا، أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدا .