بعَثَتني قُرَيْشٌ إلى رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - فلَمَّا رَأيتُ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أُلْقيَ في قَلبي الإسلامُ ، فقُلتُ : يا رسولَ اللَّهِ إنِّي واللَّهِ لا أرجعُ إليهِم أبدًا ، فقالَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - : إنِّي لا أخيسُ بالعَهْدِ ولا أحبسُ البُرُدَ ، ولَكِنِ ارجِع ، فإن كانَ في نفسِكَ الَّذي في نَفسِكَ الآنَ فارجِعْ .
قالَ : فذَهَبتُ ، ثمَّ أتيتُ النَّبيَّ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - فأسلَمتُ .
أخرجه أبو داود (2758)، وأحمد (23857)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8621) جميعهم بلفظه.
كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حافِظًا للعُهودِ موفيًا بها، ومِن صُوَرِ وفائِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالعُهودِ ما جاءَ في هذا الحَديثِ؛ حَيثُ يَحكي أبو رافِعٍ وهو خادِمُ ومَولى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولُ: بَعَثَتني قُرَيشٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أرسَلَته قُرَيشٌ قَبلَ أن يُسلِمَ -وكان أبو رافِعٍ نَصرانيًّا كما جاءَ في الرِّوايةِ الأُخرى- إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حاجةٍ أو أمرٍ ما، يَقولُ أبو رافِعٍ: فلَمَّا رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُلقيَ في قَلبي الإسلامُ، أي: وقَعَ في قَلبِه حُبُّ الإسلامِ، ودَخل فيه الإيمانُ.
فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي واللهِ لا أرجِعُ إليهم أبَدًا، أي: لا أُريدُ الرُّجوعَ إلى قُرَيشٍ، وهذا بَيانٌ مِنه لتَمَكُّنِ الإسلامِ مِن قَلبِه؛ فليس عِندَه الرَّغبةُ في العَودةِ لقُرَيشٍ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي لا أخيسُ بالعَهدِ.
أصلُه مِن: خاسَ الشَّيءُ في الوِعاءِ: إذا فسَدَ، أي: لا أنقُضُ العَهدَ ولا أُفسِدُه، ولا أحبِسُ البُرُدَ، جَمعُ بَريدٍ، وهمُ الرُّسُلُ، أي: لا أحبِسُهم عِندي وأمنَعُهم مِنَ الرُّجوعِ.
والمَعنى في ذلك أنَّ الرِّسالةَ تَقتَضي جَوابًا، والجَوابُ لا يَصِلُ إلى المُرسَلِ إلَّا على لسانِ الرَّسولِ بَعدَ انصِرافِه، فصارَ كَأنَّه عَقَد له العَهدَ مُدَّةَ مَجيئِه ورُجوعِه، ثُمَّ قال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ولَكِنِ ارجِعْ، أي: إلى قُرَيشٍ، فإن كان في نَفسِك الذي في نَفسِك الآنَ، أي: ارجِعْ وأَنْهِ مُهِمَّةَ رِسالَتِك أولًا؛ لأنَّ في قَبولِك الإسلامَ الآنَ نَقضًا للعَهدِ، فإذا رَجَعتَ إلى قُرَيشٍ ووجَدتَ مِن نَفسِك الذي وجَدتَه الآنَ عِندي مِن حُبِّ الإسلامِ، فارجِعْ، أي: مِن عِندِ الكُفَّارِ إلينا، قال أبو رافِعٍ: فذَهَبتُ، أي: عُدتُ إلى قُرَيشٍ.
ثُمَّ أتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلَمتُ، أي: رَجَعَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأعلَنَ الإسلامَ، وحَسُنَ إسلامُه، وكان مِن مَوالي رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي الحَديثِ عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ؛ حَيثُ جَعَلَ اللهُ رُؤيةَ أبي رافِعٍ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبَبًا لإسلامِه.
وفيه أنَّ العَهدَ يُراعى مَعَ الكافِرِ كما يُراعى مَعَ المُسلِمِ.
وفيه أنَّ الكافِرَ إذا عُقِدَ مَعَه عَقدُ أمانٍ فالمَشروعُ أن يُؤمَّنَ وأن لا يُغتالَ في دَمٍ ولا مالٍ ولا مَنفَعةٍ.
وفيه بَيانُ حِفظِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للعُهودِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الوَفاءِ بالشَّرطِ الصَّحيحِ مَعَ المُسلِمينَ والكُفَّارِ.
وفيه بَيانُ أنَّ الرُّسُلَ لا تُحبَسُ.
وفيه بَيانُ إسلامِ أبي رافِعٍ رَضِيَ اللهُ عنه .
سنن أبي داود (3/ 82) 2758 - حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو، عن بكير بن الأشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع، أن أبا رافع أخبره، قال: بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد، ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع.
قال: فذهبت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت قال: بكير وأخبرني: أن أبا رافع كان قبطيا قال أبو داود: هذا كان في ذلك الزمان فأما اليوم فلا يصلح
مسند أحمد مخرجا (39/ 282) 23857 - حدثنا عبد الجبار بن محمد الخطابي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن بكير بن عبد الله، حدثه عن الحسن بن علي بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع ، قال: بعثتني قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله لا أرجع إليهم، قال: إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن، فارجع قال بكير: وأخبرني الحسن: أن أبا رافع كان قبطيا
سنن النسائي الكبري (8/ 52) 8621 - أخبرنا سليمان بن داود، والحارث بن مسكين، قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الحسن بن علي بن أبي رافع، حدثه أن أبا رافع أخبره أنه أقبل بكتاب من قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ألقي في قلبي الإسلام قلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع، فإن كان في قلبك الذي في قلبك الآن فارجع فرجعت إليهم: ثم أقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت " قال بكير: وأخبرني أن أبا رافع كان قبطيا