أتيتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبي أوفَى ، وَهوَ محجوبُ البصَرِ ، فسلَّمتُ علَيهِ ، قالَ لي مَن أنتَ ؟ فقلتُ : أَنا سعيدُ بنُ جهمان قالَ : فَما فعلَ والدُكَ ؟ قالَ : قَتلتهُ الأزارِقةُ قالَ : لعنَ اللَّهُ الأزارِقةَ ، لعنَ اللَّهُ الأزارِقةَ ، حدَّثَنا رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - أنَّهم كلابُ النَّار ، قالَ : قُلتُ : الأزارِقةُ وحدَهُم أمِ الخوارجُ كلُّها ؟ قالَ : بلِ الخوارجُ كلُّها .

قالَ : قلتُ : فإنَّ السُّلطانَ يظلِمُ النَّاسَ ويفعلُ بِهِم ، قالَ : فتَناولَ يدي فغمزَها بيدِهِ غمزةً شديدةً ثمَّ قالَ : ويحَكَ يا ابنَ جهمان عليكَ بالسَّوادَ الأعظمَ إن كانَ السُّلطانُ يسمعُ منكَ ، فائتِهِ في بيتِهِ ، فأخبِرهُ بما تعلَمُ ، فإن قبِلَ منكَ ، وإلَّا فدَعهُ ، فإنَّكَ لستَ بأعلَمَ منهُ .

الدلالات الموضوعية:# إمامة وخلافة - الصبر على ظلم الإمام# إمامة وخلافة - النصح لأئمة المسلمين وولاتهم# اعتصام بالسنة - الخوارج والمارقين# اعتصام بالسنة - مجانبة أهل الأهواء# اعتصام بالسنة - الأمر بلزوم الجماعة
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: عبدالله بن أبي أوفى
المحدث: الوادعي
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (19434) واللفظ له، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (181)

الشرح والتوضيح

مِنَ الفِرَقِ الضَّالَّةِ التي أخبَرَ عَنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذَكَرَ بَعضَ صِفاتِهم، وحَذَّرَ مِنهم: فِرقةُ الخَوارِجِ، الذينَ يُكَفِّرونَ أهلَ الإسلامِ بالمَعاصي ويَستَحِلُّونَ دِماءَهم، ويَخرُجونَ على أئِمَّةِ المُسلِمينَ ويُقاتِلونَهم، وقد خَرَجوا في عَهدِ الخَليفةِ الرَّاشِدِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وقاتَلَهم عليٌّ في مَعرَكةِ النَّهروانِ، ومِنَ الصِّفاتِ التي أخبَرَ عنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم كِلابُ النَّارِ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ سَعيدُ بنُ جُمْهانَ أحَدُ التَّابِعينَ: أتَيتُ عَبدَ اللهِ بنَ أبي أَوفى رَضِيَ اللهُ عنه، وهو مَحجوبُ البَصَرِ، أي: قد عَمِيَ، فسَلَّمتُ عليه، أي: ألقَيتُ عليه السَّلامَ.

فقال له عَبدُ اللهِ بنُ أبي أَوفى: مَن أنتَ؟ أي: أخبِرْني عنِ اسمِك ومَن تَكونُ.

فقال سَعيدٌ: أنا سَعيدُ بنُ جُمْهانَ.

فقال عَبدُ اللهِ بنُ أبي أَوفى: فما فَعَل والِدُك؟ أي: أخبِرْني عن حالِ والِدِك أو ماذا حَصَلَ له.

فقال سَعيدٌ: قَتَلَته الأزارِقةُ.

وهيَ إحدى فِرَقِ الخَوارِجِ أتباعِ نافِعِ بنِ الأزرَقِ، وهم أشَدُّ الخَوارِجِ غُلُوًّا.

فقال عَبدُ اللهِ بنُ أبي أَوفى: لعَنَ اللهُ الأزارقةَ، لعَنَ اللهُ الأزارِقةَ، أي: طَرَدَهمُ اللهُ وأبعَدَهم مِن رَحمَتِه؛ لشِدَّةِ جُرمِهم، ثُمَّ قال عَبدُ اللهِ بنُ أبي أَوفى: حَدَّثَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم، أي: الخَوارِجَ، كِلابُ النَّارِ.

قال سَعيدٌ: فقُلتُ له: الأزارِقةُ وَحدَهم أمِ الخَوارِجُ كُلُّها؟ أي: هَلِ الأزارِقةُ وَحدَهم كِلابُ النَّارِ أم كُلُّ الخَوارِجِ؛ وذلك لأنَّ الخَوارِجَ فِرَقٌ مُتَعَدِّدةٌ، والأزارِقةُ فِرقةٌ مِنهم.

قال عَبدُ اللهِ بنُ أبي أَوفى: بَلِ الخَوارِجُ كُلُّها، أي: هو وَصفٌ لجَميعِ الخَوارِجِ بجَميعِ طَوائِفِهم.

فقال سَعيدٌ: فإنَّ السُّلطانَ يَظلِمُ النَّاسَ ويَفعَلُ بهم، أي: الإمامُ يَعتَدي على النَّاسِ فيَظلِمُهم، فهَل نُنكِرُ ونَخرُجُ عليه؟ يَقولُ سَعيدٌ: فتَناوَلَ عَبدُ اللهِ بنُ أبي أَوفى يَدي فغَمَزها بيَدِه غَمزةً شَديدةً.

الغَمزُ: العَصرُ والكَبسُ باليَدِ، أي: عَصَرَ يَدي عَصرةً شَديدةً.

ثُمَّ قال: وَيحَكَ -وهيَ كَلِمةُ تَرَحُّمٍ وتَوجُّعٍ- يا ابنَ جُمْهانَ! عليك السَّوادُ الأعظَمُ.

أي: جُملةُ النَّاسِ ومُعظَمُهمُ الذينَ يَجتَمِعونَ على طاعةِ السُّلطانِ وسُلوكِ النَّهجِ المُستَقيمِ، والمَعنى: الزَمْ جَماعةَ المُسلِمينَ ولا تُفارِقْهم، ولا تَخرُجْ عليهم.

ثُمَّ قال عَبدُ اللهِ بنُ أبي أَوفى لسَعيدٍ يُبَيِّنُ له كَيفيَّةَ نُصحِ الحاكِمِ: إن كان السُّلطانُ يَسمَعُ مِنك، أي: يَسمَعُ نُصحَك له ويَقبَلُ ذلك، فائْتِه في بَيتِه، أي: اقصِدْه إلى بَيتِه حتَّى يَكونَ نُصحُك فيما بَينَك وبَينَه وليس بَينَ النَّاسِ، فأخبِرْه بما تَعلَمُ، أي: ثُمَّ قُلْ له ما تُريدُ مِنَ النُّصحِ.

فإن قَبِل مِنك وإلَّا فدَعْه، أي: إذا نَصَحتَه فقَبِلَ النُّصحَ وإلَّا فاترُكْه؛ فإنَّك لستَ بأعلَمَ مِنه، أي: إنَّك قد تخفى عليك بَعضُ الأُمورِ التي لا تَطَّلِعُ عليها وتَظُنُّها مُنكَرةً، والإمامُ يَعلَمُ حَقيقةَ الأمرِ.

وقد ورَدَ كذلك عنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ نَصيحةُ الحاكِمِ وإنكارُ المُنكَرِ في العَلَنِ؛ فالأمرُ اجتِهاديٌّ حَسَبَ تَحَقُّقِ المَصلَحةِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ الخَوارِجَ كِلابُ النَّارِ.

وفيه مَشروعيَّةُ لَعنِ العُصاةِ وأهلِ الضَّلالِ.

وفيه لُزومُ جَماعةِ المُسلِمينَ وعَدَمُ الخُروجِ عليهم.

وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ نُصحِ الحاكِمِ والسُّلطانِ .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد - قرطبة] (4/ 382) 19434- حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو النضر ثنا الحشرج بن نباته العبسي كوفي حدثني سعيد بن جمهان قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه قال لي من أنت فقلت أنا سعيد بن جمهان قال فما فعل والدك قال قلت قتلته الأزارقة قال لعن الله الأزارقة لعن الله الأزارقة حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم انهم كلاب النار قال قلت الازارقة وحدهم أم الخوارج كلها قال بلى الخوارج كلها قال قلت فان السلطان يظلم الناس ويفعل بهم قال فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة ثم قال ويحك يا بن جمهان عليك بالسواد الأعظم عليك بالسواد الأعظم ان كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم فان قبل منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه

الأحاديث المختارة- للضياء المقدسي (13/ 110) 181- وأخبرنا أبو المجد زاهر بن أحمد الثقفي أن الحسين بن الخلال أخبرهم ابنا إبراهيم ابنا محمد بن إبراهيم ابنا أبو يعلى الموصلي ثنا زهير ثنا هاشم بن القاسم قال حدثني سعيد بن جمهان قال: لقيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه، فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا سعيد بن جمهان، قال: ما فعل أبوك؟ قلت قتله الأزارقة، قال: لعن الله الأزارقة حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كلاب النار قال: قلت: الأزارقة وحدهم أو الخوارج كلها؟ قال: بل الخوارج كلها قال: قلت فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم ويفعل بهم قال: فتناول يدي فغمزها غمزة شديدة وقال ويحك ياابن جمهان عليك بالسواد الأعظم إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته فأخبره بما تعلم.

فإن قبل منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه.

أحاديث ذات صلة