دخَلَ أبو أُمامةَ الباهليُّ دِمَشقَ، فرأَى رؤوسَ حَرُوراءَ قد نُصِبتْ، فقال: كلابُ النارِ، وكلابُ النارِ؛ ثلاثًا، شَرُّ قَتْلى تحتَ ظِلِّ السماءِ، خَيرُ قَتْلى مَن قتَلوا، ثمَّ بكى، فقام إليه رجُلٌ فقال: يا أبا أُمامةَ، هذا الذي تقولُ مِن رَأْيِكَ أم سمِعتَه؟ قال: إنِّي إذًا لجَريءٌ، كيفَ أقولُ هذا عن رَأْيٍ، قد سمِعتُه غيرَ مرةٍ، ولا مرتينِ.

قال: فيما يُبكيكَ؟ قال: أَبْكي لخُروجِهم مِن الإسلامِ، هؤلاءِ الذينَ تفرَّقوا واتَّخَذوا دِينَهم شِيَعًا!

الدلالات الموضوعية:# أشراط الساعة - افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة# حدود - قتل الخوارج وأهل البغي# علم - التثبت في الحديث# اعتصام بالسنة - الخوارج والمارقين# فتن - خروج الناس من الدين
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: أبو أمامة الباهلي
المحدث: الوادعي
الحكم:جيد

بيانات التخريج:

أخرجه الترمذي (3000) بنحوه مختصراً، وأحمد (22368) واللفظ له

الشرح والتوضيح

مِنَ الفِرَقِ الضَّالَّةِ التي أخبَرَ عَنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذَكَرَ بَعضَ صِفاتِهم، وحَذَّرَ مِنهم: فِرقةُ الخَوارِجِ، الذينَ يُكَفِّرونَ أهلَ الإسلامِ بالمَعاصي ويَستَحِلُّونَ دِماءَهم، ويَخرُجونَ على أئِمَّةِ المُسلِمينَ ويُقاتِلونَهم، وقد خَرَجوا في عَهدِ الخَليفةِ الرَّاشِدِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وقاتَلَهم عليٌّ في مَعرَكةِ النَّهروانِ، ومِنَ الصِّفاتِ التي أخبَرَ عنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم كِلابُ النَّارِ، وهم شَرُّ القَتلى، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ صَفوانُ بنُ سُلَيمٍ أحَدُ التَّابِعينَ: دَخَلَ أبو أُمامةَ الباهليُّ رَضِيَ اللهُ عنه دِمَشقَ، أي: مَدينةَ دِمَشقَ، وهيَ الآنَ عاصِمةُ سوريا، فرَأى رؤوسَ حَروراءَ قد نُصِبَت، أي: رَأى رؤوسَ الخَوارِجِ مَقطوعةً مَنصوبةً، وفي رِوايةٍ: أنَّها مَنصوبةٌ على دَرَجِ مَسجِدِ دِمَشقَ حتَّى يَراها النَّاسُ، ونُسِبوا لحَروراءَ وهيَ البَلدةُ التي تَجمَّعُ فيها الخَوارِجُ، فيُقالُ لهم: حَروريَّةٌ.

فقال: كِلابُ النَّارِ، وكِلابُ النَّارِ؛ ثَلاثًا، أي: كَرَّرَ العِبارةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، والمَعنى: هؤلاء هم كِلابُ النَّارِ.

شَرُّ قَتلى تَحتَ ظِلِّ السَّماءِ، أي: هم شَرُّ مَن قُتِلَ تَحتَ ظِلِّ السَّماءِ، أي: الأرضِ، خَيرُ قَتلى مَن قَتَلوا، أي: مَن قَتلَه الخَوارِجُ فهو شَهيدٌ، فصارَ مِن خيارِ القَتلى.

ثُمَّ بَكى أبو أُمامةَ، فقامَ رَجُلٌ إلى أبي أُمامةَ، وقال له: يا أبا أُمامةَ، هذا الذي تَقولُ مِن رَأيِك أم سَمِعتَه؟ أي: أخبِرْنا عَمَّا قُلتَه مِن كَونِهم كِلابَ النَّارِ وأنَّهم شَرُّ القَتلى، هَل هو مِن رَأيِك واجتِهادِك، أم شَيءٌ سَمِعتَه مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ ومَقصودُه أن يَتَثَبَّتَ مِن هذا الكَلامِ؛ فإنَّ الحُكمَ على شَخصٍ بالنَّارِ أو غَيرِ ذلك مِنَ الأُمورِ الغَيبيَّةِ، فلا يُقدِمُ أحَدٌ عليه إلَّا بعِلمٍ، ولَعَلَّه سَألَه لمَّا رَأى أنَّه أخبَرَ عنهم أنَّهم كِلابُ النَّارِ ثُمَّ بَكى عليهم، فاستَغرَبَ مِنه ذلك.

فقال أبو أُمامةَ: إنِّي إذًا لجَريءٌ! أي: إذا قُلتُ شَيئًا بدونِ عِلمٍ وبِدونِ أن أسمَعَه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فقدِ اتَّصَفتُ بصِفةِ الجُرأةِ والقَولِ على اللهِ بلا عِلمٍ! كَيف أقولُ هذا عن رَأيٍ؟! قد سَمِعتُه غَيرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتَينِ، أي: ليسَ لي أن أقولَ في هذا الأمرِ مِنِ اجتِهادي، بَل سَمِعتُ ذلك مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَرَّةَ والمَرَّتَينِ وأكثَرَ مِن ذلك، وفي رِوايةٍ أنَّه قال: لو لم أسمَعْه إلَّا مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا أو أربَعًا أو خَمسًا أو سِتًّا أو سَبعًا ما حَدَّثتُكُم! والمَعنى: أنَّه سَمِعَه مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مَرَّاتٍ كَثيرةً.

فقال الرَّجُلُ: فما يُبكيك؟ أي: إذا كان هذا الحَديثُ سَمِعتَه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، فلِماذا تَبكي عليهم؟ فقال أبو أُمامةَ: أبكي لخُروجِهم مِنَ الإسلامِ، أي: لكَونِهم فارَقوا دينَ الإسلامِ وتَرَكوه، هؤلاء الذينَ تَفرَّقوا واتَّخَذوا دينَهم شِيَعًا! أي: هؤلاء مِنَ الذينَ أخبَرَ اللهُ عنهم أنَّهمُ اختَلَفوا وتَفرَّقوا وجَعَلوا دينَهم جَماعاتٍ مُختَلِفةً.

وفي رِوايةٍ أنَّ الرَّجُلَ قال: لأيِّ شَيءٍ بَكَيتَ؟ فقال أبو أُمامةَ: رَحمةً لهم، أو مِن رَحمَتهم.

وفي الحَديثِ ذَمُّ الخَوارِجِ، وأنَّهم كِلابُ النَّارِ.

وفيه فَضلُ مَن قَتَلَهمُ الخَوارِجُ.

وفيه مَشروعيَّةُ طَلَبِ التَّثَبُّتِ مِنَ الحَديثِ.

وفيه بَيانُ مُفارَقةِ الخَوارِجِ لدينِ الإسلامِ.

وفيه الِاعتِبارُ والِاتِّعاظُ مِن حالِ أهلِ الضَّلالِ .

الأصول والأحكام

سنن الترمذي (5/ 103) :

3000 -حدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا وكيع ، عن الربيع بن صبيح ، وحماد بن سلمة ، عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على درج دمشق فقال أبو أمامة : كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} إلى آخر الآية، قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه.

هذا حديث حسن، وأبو غالب اسمه حزور، وأبو أمامة الباهلي اسمه صدي بن عجلان، وهو سيد باهلة.

([مسند أحمد] - قرطبة) (5/ 269)

22368 -حدثنا أنس بن عياض، قال: سمعت صفوان بن سليم يقول: دخل أبو أمامة الباهلي دمشق، فرأى رؤوس حروراء قد نصبت، فقال: كلاب النار، كلاب النار - ثلاثا - ‌شر ‌قتلى ‌تحت ظل السماء، خير قتلى من قتلوا.

ثم بكى، فقام إليه رجل، فقال: يا أبا أمامة، هذا الذي تقول من رأيك، أم سمعته؟ قال: إني إذا لجريء، كيف أقول هذا عن رأي؟! قال: قد سمعته غير مرة ولا مرتين.

قال: فما يبكيك؟ قال: أبكي لخروجهم من الإسلام، هؤلاء الذين تفرقوا، واتخذوا دينهم شيعا.

أحاديث ذات صلة