جاءَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ رَجُلٌ مِن قُضاعةَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إن شَهِدْتُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّك رَسولُ اللهِ، وصَلَّيْتُ الصَّلَواتِ، وصُمْتُ رَمَضانَ، وقُمْتُ الشَّهْرَ، وآتَيْتُ الزَّكاةَ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «مَن فَعَلَ ذلك كانَ معَ الشُّهَداءِ والصِّدِّيقينَ».
جاءَتِ النُّصوصُ ببَيانِ الفَضلِ العَظيمِ لِمَن حَقَّقَ أركانَ الإسلامِ وأدَّاها كامِلةً، وقد كان النَّاسُ يَأتونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فيُعَلِّمُهم أركانَ الإسلامِ، ثُمَّ يَسألونَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَمَّا لهم مِنَ الجَزاءِ إن هم حَقَّقوا ذلك، فيُخبِرُهم بأنَّ لهمُ الجَنَّةَ أو أحيانًا يُخبِرُهم بأنَّ لهمُ المَكانةَ العاليةَ مَعَ أفضَلِ الخَلقِ، وقد جاءَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلٌ مِن قُضاعةَ، أي: مِن قَبيلةِ قُضاعةَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إن شَهِدتُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، أي: أنَّه لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ، وأفرَدتُه بالعُبوديَّةِ وَحدَه دونَ من سِواه، وأنَّك رَسولُ اللهِ، أي: صَدَّقتُ وآمَنتُ بأنَّك رَسولٌ مِن عِندِ اللهِ أرسَلَك اللهُ للعالَمينَ، وصَلَّيتُ الصَّلَواتِ، أي: الصَّلَواتِ الخَمسَ المفروضاتِ وأدَّيتُها في أوقاتِها وحافَظتُ عليها بشُروطِها وأركانِها، وصُمتُ رَمَضانَ، أي: صُمتُ شَهرَ رَمَضانَ إيمانًا باللهِ تعالى واحتِسابًا للأجرِ، وقُمتُ الشَّهرَ، أي: قُمتُ لياليَ شَهرِ رَمَضانَ، وآتَيتُ الزَّكاةَ، أي: أخرَجتُ زَكاةَ مالي وأعطَيتُها لمُستَحِقِّيها.
وجاءَ في رِوايةٍ أنَّه قال بَعدَ ذلك: فمِمَّن أنا؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن فَعَل ذلك كان مَعَ الشُّهَداءِ والصِّدِّيقينَ، أي: جَزاه اللهُ تعالى بأن جَعلَه مُصاحِبًا للشُّهَداءِ، وهمُ الذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ، والصِّدِّيقينَ، وهمُ الذينَ كَمَلَ تَصديقُهم بما جاءَت به الرُّسُلُ، فصَدَّقوا بقَولِهم واعتِقادِهم، وحَقَّقوا صِدقَهم بالفِعلِ، وهم أعلى أهلِ الجَنَّةِ دَرَجاتٍ؛ قال تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .
وفي الحَديثِ بَيانُ فَضلِ القيامِ بأركانِ الإسلامِ والإتيانِ بها.
وفيه الحَثُّ على العَمَلِ الصَّالِحِ فهو يَرفعُ الدَّرَجاتِ.
وفيه أنَّ أعلى مَرتَبةٍ بَعدَ النُّبوَّةِ مَرتَبةُ الصِّدِّيقيَّةِ.
وفيه بَيانُ مَنزِلةِ الشُّهَداءِ .