- كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ إذا جاء فَيْءٌ قَسَمَه مِن يَومِه، فأعْطى الآهِلَ حَظَّينِ ، وأعْطى العَزَبَ حَظًّا واحِدًا، فدُعينا وكُنتُ أُدْعى قَبلَ عَمَّارِ بنِ ياسِرٍ، فدُعيتُ، فأعْطاني حَظَّينِ ، وكان لي أهلٌ، ثُمَّ دَعا بَعدُ عَمَّارَ بنَ ياسِرٍ فأُعْطيَ حَظًّا واحِدًا، فبَقيَتْ قِطْعةُ سِلْسِلةٍ مِن ذَهَبٍ، فجَعَلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ يَرفَعُها بطَرَفِ عَصاهُ، ثُمَّ رَفَعَها وهو يقولُ: كيف أنتُم يومَ يَكثُرُ لكُم مِن هذا؟!
أخرجه أبو داود (2953)، وأحمد (23986) واللفظ له
كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إمامًا للمُسلِمينَ يَرعى مَصالِحَهم وشُؤونَهم، ويُقَسِّمُ بَينَهمُ الأموالَ التي تَأتي مِنَ الغَنائِمِ وغَيرِها، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُراعي في تَقسيمِه للأموالِ اختِلافَ أحوالِ النَّاسِ وتَفاوُتَ حاجاتِهم، فيُعطي المُتَزَوِّجَ أكثَرَ مِمَّن ليسَ له زَوجةٌ، فحاجةُ المُتَزَوِّجِ أكثَرُ مِن حاجةِ غَيرِه.
يَقولُ عَوفُ بنُ مالِكٍ الأشجَعيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا جاءَ فَيءٌ.
وهو ما أصابَه المُسلِمونَ مِن أموالِ الكُفَّارِ بغَيرِ قِتالٍ، بأن صالَحوهم على مالٍ يُؤَدُّونَه، قَسَّمَه مِن يَومِه، أي: بادَرَ في تَوزيعِه في نَفسِ اليَومِ ولا يُؤَخِّرُه إلى الغَدِ، فأعطى الآهِلَ، أي: المُتَأهِّلَ الذي له زَوجةٌ وعيالٌ، حَظَّينِ، أي: نَصيبَ اثنَينِ؛ لأنَّه أكثَرُ احتياجًا مِنَ الأعزَبِ، فيَكونُ له ولزَوجتِه، وأعطى العَزَبَ -وهو مَن لا زَوجةَ له- حَظًّا واحِدًا، أي: نَصيبًا واحِدًا.
يَقولُ عَوفٌ: فدُعِينا، أي: أنَّه جاءَت أموالٌ فدَعاهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَي يُقَسِّمَ بَينَهم، وكُنتُ أُدعى قَبلَ عَمَّارِ بنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، أي: كُنتُ أُقَدَّمُ في الدَّعوةِ قَبلَ عَمَّارٍ، فدُعيتُ، أي: في ذاتِ يَومٍ، فأعطاني رَسولُ اللهِ حَظَّينِ، أي: نَصيبَينِ، وكان لي أهلٌ، أي: إنَّما أعطاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم نَصيبَينِ؛ لأنَّه كان مُتَزَوِّجًا، ثُمَّ دَعا بَعدُ عَمَّارَ بنَ ياسِرٍ، فأُعطيَ حَظًّا واحِدًا، أي: نَصيبًا واحِدًا لكَونِه عَزَبًا.
يَقولُ عَوفٌ: فبَقِيَت قِطعةُ سِلسِلةٍ مِن ذَهَبٍ، أي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَسَّمَ جَميعَ المالِ الذي كان عِندَه، ولَم يَبقَ إلَّا قِطعةُ سِلسِلةٍ مِنَ الذَّهَبِ.
فجَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَرفَعُها بطَرَفِ عَصاه، أي: أخَذَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يَرفعُ سِلسِلةَ الذَّهَبِ بطَرَفِ العَصا ولا يُمسِكُها بيَدِه، ثُمَّ رَفعَها، أي: رَفعَ العَصا وفيها سِلسِلةُ الذَّهَبِ عاليًا حتَّى يَرَوها، ثُمَّ قال لهم: كَيف أنتُم يَومَ يَكثُرُ لكُم مِن هذا؟! أي: ما حالُكُم؟ وكَيف يَكونُ أمرُكُم إذا أتى اليَومُ الذي تُفتَحُ عليكُمُ الدُّنيا وتَكثُرُ الأموالُ والذَّهَبُ والفِضَّةُ؟ وإنَّما قال لهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك يُحَذِّرُهم مِنَ الفِتنةِ بالدُّنيا والِاغتِرارِ بزينَتِها.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَوزيعِ الإمامِ الأموالَ بنَفسِه.
وفيه مُبادَرةُ الإمامِ إلى قِسمةِ المالِ ليَصِلَ إلى كُلِّ أحَدٍ ما يَستَحِقُّه فيَنتَفِعَ به، ولا يَجوزُ التَّأخيرُ إلَّا لعُذرٍ.
وفيه أنَّ العَطاءَ يَكونُ على مِقدارِ أتباعِ الرَّجُلِ الذي يَلزَمُه نَفقَتُهم مِنَ النِّساءِ وغَيرِهنَّ؛ إذ غَيرُ الزَّوجةِ مِثلُها في الِاحتياجِ إلى المُؤنةِ.
وفيه عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ.
وفيه التَّحذيرُ مِن فِتنةِ الأموالِ .
[سنن أبي داود] (3/ 136) 2953- حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد الله بن المبارك، ح وحدثنا ابن المصفى، قال: حدثنا أبو المغيرة، جميعا، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك ، ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى العزب حظا))- زاد ابن المصفى- فدعينا وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين، وكان لي أهل ثم دعي بعدي عمار بن ياسر، فأعطى له حظا واحدا
[مسند أحمد] (39/ 412) 23986- حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا صفوان قال: حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء فيء قسمه من يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى العزب حظا واحدا.
فدعينا وكنت أدعى قبل عمار بن ياسر، فدعيت، فأعطاني حظين، وكان لي أهل، ثم دعا بعد عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا، فبقيت قطعة سلسلة من ذهب، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفعها بطرف عصاه، ثم رفعها وهو يقول: (( كيف أنتم يوم يكثر لكم من هذا؟