حَديثٌ رَواه يَحْيى بنُ حَمْزةَ، عن زَيدِ بنِ واقِدٍ، عن مُغيثِ بنِ سُمَيٍّ، عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، قالَ: قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ النَّاسِ أَفضَلُ؟ قالَ: مَخْمومُ القَلْبِ، صَدوقُ اللِّسانِ، قالوا: صَدوقَ اللِّسانِ نَعرَفُ، فما مَخْمومُ القَلْبِ؟ قالَ: هو التَّقيُّ النَّقيُّ؛ لا إثْمَ فيه ولا غِلَّ ولا حَسَدَ، قالوا: مَن يَليه يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: الَّذي يَشنَأُ الدُّنْيا، ويُحِبُّ الآخِرةَ، قالوا: ما نَعرِفُ هذا فينا إلَّا رافِع مَوْلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمَن يَليه؟ قالَ: مُؤمِنٌ في خُلُقٍ حَسَنٍ؟
خَلَق اللهُ الخَلقَ سَواسيةً وجَعَلَ مِعيارَ التَّفاضُلِ بَينَهمُ التَّقوى والعَمَلَ الصَّالِحَ والخُلُقَ الحَسَنَ، فكُلُّ مَنِ اتَّصَف بذلك فهو مِن خيارِ النَّاسِ وفُضَلائِهم، وقد كان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم يَحرِصونَ على أن يَسألوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عن أفضَلِ النَّاسِ، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ النَّاسِ أفضَلُ؟ أي: بَيِّنْ لنا يا رَسولَ اللهِ مَن هم خَيرُ النَّاسِ وأفضَلُهم عِندَ اللهِ.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَخمومُ القَلبِ.
الخَمَمُ: هو مِن خَمَمتُ البَيتَ: إذا كَنَستَه ونَظَّفتَه، أي: هو مَن كان نَظيفَ القَلبِ مِن جَميعِ الأقذارِ والأخلاقِ السَّيِّئةِ، صَدوقُ اللِّسانِ، أي: الذي يَصدُقُ في حَديثِه المُبالِغُ للصِّدقِ في لسانِه، فيَحصُلُ به المُطابَقةُ بَينَ تَحسينِ لسانِه وبَيانِه.
فقال الصَّحابةُ: صَدوقَ اللِّسانِ نَعرِفُ، أي: نَعرِفُ مَعناه.
فما مَخمومُ القَلبِ؟ أي: ما مَعنى مَخمومِ القَلبِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: هو التَّقيُّ، أي: اتَّقى اللَّهَ تعالى فعَمِلَ بطاعةِ اللهِ واجتَنَبَ مَعاصيَه، فجَعَلَ بَينَه وبَينَها حاجِزًا، النَّقيُّ، أي: الصَّافي اللِّسانِ مِنَ الكَذِبِ والغِيبةِ والنَّميمةِ وغَيرِها.
لا إثمَ فيه، أي: في قَلبِه ولا في لسانِه ولا في سائِرِ جَوارِحِه، ولا غِلَّ، أي: ليسَ في قَلبِه حِقدٌ للنَّاسِ، ولا حَسَدَ، أي: وليس هو مِمَّن يَتَمَنَّى زَوالَ النِّعمةِ عنِ الآخَرينَ.
فقال الصَّحابةُ: مَن يَليه يا رَسولَ اللهِ؟ أي: ومَن بَعدَ هذا في الفضلِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: الذي يَشنَأُ الدُّنيا.
الشَّانِئُ: المُبغِضُ، أي: يَكرَهُ ويُبغِضُ الدُّنيا، ويُحِبُّ الآخِرةَ.
فقال الصَّحابةُ: ما نَعرِفُ هذا فينا إلَّا رافِعٌ مَولى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: لا نَعرِفُ مَن يَتَّصِفُ بهذه الصِّفةِ فيُبغِضُ الدُّنيا ويُحِبُّ الآخِرةَ إلَّا رافِعًا، وهو مَولى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فمَن يَليه؟ أي: ثُمَّ مَن بَعدَ هذا في الفَضلِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: مُؤمِنٌ في خُلُقٍ حَسَنٍ، أي: مَن آمَنَ واتَّصَف بالأخلاقِ الحَسَنةِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ تَفاضُلِ النَّاسِ بَينَهم بالمَعاني الإيمانيَّةِ.
وفيه فَضلُ الصِّدقِ في الكَلامِ.
وفيه فَضلُ تَقوى اللهِ.
وفيه الحَثُّ على سَلامةِ الصَّدرِ مِنَ الإثمِ والغِلِّ والحَسَدِ.
وفيه الحَثُّ على الزُّهدِ في الدُّنيا وحُبِّ الآخِرةِ.
وفيه فَضلُ رافِعٍ مَولى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه فَضلُ الخُلُقِ الحَسَنِ .