أتيتُ النَّبيَّ بوضوءٍ ، فحرَّكَ رأسَه ، و عَضَّ على شفتَيْهِ ! قُلتُ : بأبي أنت و أُمِّي ، آذيتُك ؟ قالَ : لا ، و لكنَّك تدرِكُ أُمَراءَ أو أئمةً يؤخِّرونَ الصَّلاةَ لوقتِها قُلتُ : فما تأمُرُني ؟ قال : صلِّ الصَّلاةَ لوقتِها فإن أدركتَ مَعهُم فصلِّ ، و لا تقُلْ و في روايةٍ : و لا تَقولَنَّ : قد صلَّيتُ فلا أصلِّي
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (954)
فرَضَ اللهُ الصَّلاةَ وجَعَلَ لها أوقاتًا مَعلومةً، فقال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] ، وجاءَتِ النُّصوصُ الكَثيرةُ بأهَمِّيَّةِ المُحافَظةِ على الصَّلاةِ في وقتِها، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه سيَأتي زَمانٌ تُؤَخَّرُ الصَّلاةُ عن وقتِها؛ ففي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: أتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بوَضوءٍ، أي: أحضَرتُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ماءً كَي يَتَوضَّأَ به، فحَرَّكَ رَأسَه، وعَضَّ على شَفتَيه! أي: حَرَّكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم رَأسَه وقَبَضَ على شَفتَيه بأسنانِه عِندَما جاءَ إليه أبو ذَرٍّ بالوَضوءِ، وإنَّما فعَلَ ذلك فِعلَ المُتَعَجِّبِ أوِ المُتَحَسِّرِ على شَيءٍ.
فلَمَّا رَأى أبو ذَرٍّ فِعلَ النَّبيِّ هذا خاف أن يَكونَ مِن شَيءٍ وَقَع مِنه، فقال: بأبي أنتَ وأُمِّي، أي: أفديك بأبي وأُمِّي، آذَيتُك؟ أي: هَل حَصَلَ مِنِّي يا رَسولَ اللهِ شَيءٌ يُؤذيك حتَّى حَرَّكتَ رَأسَك وعَضِضتَ شَفتَيك؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: لا، أي: لم يَحصُلْ مِنك شَيءٌ، ولَكِنَّك تُدرِكُ أُمَراءَ أو أئِمَّةً يُؤَخِّرونَ الصَّلاةَ لوقتِها، أي: سيَأتي عليك يا أبا ذَرٍّ زَمانٌ تُدرِكُ أُمَراءَ يُؤَخِّرونَ الصَّلاةَ عن وقتِها.
وقد وقَعَ هذا في زَمَنِ بَني أُمَيَّةَ، والمُرادُ بتَأخيرِها عن وقتِها: عن وقتِها المُختارِ لا عن جَميعِ وَقتِها، فإنَّ المَنقولَ عنِ الأُمَراءِ المُتَقدِّمينَ والمُتَأخِّرينَ إنَّما هو تَأخيرُها عن وَقتِها المُختارِ، ولَم يُؤَخِّرْها أحَدٌ مِنهم عن جَميعِ وَقتِها.
فقال أبو ذَرٍّ: فما تَأمُرُني؟ أي: فما الذي تَأمُرُني به أن أفعَلَه في ذلك الوَقتِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: صَلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، أي: عليك بأن تُصَلِّيَ الصَّلاةَ مُنفرِدًا في وقتِها المُختارِ والمُستَحَبِّ.
فإن أدرَكتَ مَعَهم فصَلِّ، أي: إذا صَلَّيتَ الصَّلاةَ في وَقتِها ثُمَّ أتَيتَ إليهم وهم يُصَلُّونَ، فصَلِّ مَعَهم مَرَّةً أُخرى، ولا تَقُلْ -وفي رِوايةٍ: ولا تَقولَنَّ- وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي: قد صَلَّيتُ فلا أُصَلِّي.
نَهاه عن إظهارِ خِلافٍ على الأئِمَّةِ، أي: لا تَقُلْ إذا أتَيتَ وهم يُصَلُّونَ: إنَّك قد صَلَّيتَ فلا أُصَلِّي، بَل صَلِّ مَرَّةً أُخرى تَكُنْ لك نافِلةً -كَما في الرِّوايةِ الأُخرى- ويَكونُ بذلك قد جَمَعَ بَينَ فضيلَتَي أوَّلِ الوقتِ والجَماعةِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ إحضارِ الوَضوءِ لأهلِ الخَيرِ والصَّلاحِ وخِدمَتِهم.
وفيه مَشروعيَّةُ تَحريكِ الرَّأسِ وعَضِّ الشَّفتَينِ عِندَ التَّعَجُّبِ.
وفيه عَلَمٌ مِن أعلامِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه الحَثُّ على الصَّلاةِ أوَّلَ الوَقتِ.
وفيه أنَّ الإمامَ إذا أخَّرَ الصَّلاةَ عن أوَّلِ وَقتِها فيُشرَعُ للمَأمومِ أن يُصَلِّيَها في أوَّلِ الوقتِ مُنفرِدًا، ثُمَّ يُصَلِّيها مَعَ الإمامِ.
وفيه أنَّ الإنسانَ إذا رَأى الأميرَ يُصَلِّي، وقد كان هو صَلَّى، أعادَ الصَّلاةَ مَعَه، ولا يَقُلْ: إنِّي قد صَلَّيتُ؛ لئَلَّا يُتَوهَّمَ فيه أنَّه لا يَرى الصَّلاةَ خَلفَه ومَعَه.
وفيه مَشروعيَّةُ إعادةِ الصَّلاةِ.
وفيه الحَثُّ على موافقةِ الأُمَراءِ في غَيرِ مَعصيةٍ؛ لئَلَّا تَتَفرَّقَ الكَلِمةُ وتَقَعَ الفِتنةُ.
وفيه حِرصُ الصَّحابةِ على طَلَبِ النُّصحِ والتَّوجيهِ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِما سيَحصُلُ لهم بَعدَ مَوتِه .