كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ إذا صلَّى همَسَ شيئًا ولا يخبِرُنا بهِ قالَ أفطنتُم لي قالوا نعم قالَ ذكرتُ نبيًّا منَ الأنبياءِ أُعطيَ جنودًا من قومِهِ فقالَ من يكافئُ هؤلاءِ أو من يقومُ لهم قالَ سليمانُ كلمةً شبيهةً بهذهِ فقيلَ لهُ اختر لقومِكَ بينَ إحدى ثلاثٍ بينَ أن أسلِّطَ عليهم عدوًّا من غيرِهم أوِ الجوعَ أوِ الموتَ فقالوا أنتَ نبيُّ اللَّهِ كلُّ ذلكَ إليكَ فخِر لنا فقالَ في صلاتِهِ وكانوا إذا فزعوا فزعوا إلى الصَّلاةِ فقالَ أمَّا عدوٌّ من غيرِهم فلا وأمَّا الجوعُ فلا ولكنِ الموتُ فسلِّطَ عليهم ثلاثةَ أيَّامٍ فماتَ سبعونَ ألفًا فالَّذي ترونَ أنِّي أقولُ ربِّي بكَ أقاتِلُ وبكَ أصاوِلُ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بكَ
كان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم يَحرِصونَ على تَتَبُّعِ هَدْيِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كُلِّ أُمورِه وأحوالِه؛ حِرصًا مِنهم على الِاقتِداءِ به، ومِن ذلك حِرصُهم على مَعرِفةِ جَميعِ أفعالِه وأقوالِه في الصَّلاةِ لا سيَّما الأقوالِ التي يُسِرُّ بها ولا يَسمَعونَها، ثُمَّ يَسألونَه عَمَّا أسَرَّ به في صَلاتِه أو يُخبِرُهم بذلك إذا شَعَرَ بحِرصِهم على مَعرِفةِ ما قال، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ صُهَيبُ بنُ سِنانٍ الرُّوميُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا صَلَّى، أي: في صَلاةِ الفريضةِ، هَمَسَ شَيئًا ولا يُخبِرُنا به.
الهَمسُ: الكَلامُ الخَفيُّ لا يَكادُ يُفهَمُ، أي: تَكَلَّمَ في صَلاتِه بكَلامٍ خَفيٍّ ولا يُخبِرُنا بما تَكَلَّمَ به.
وجاءَ أنَّ ذلك كان في غَزوةِ حُنَينٍ حينَ كان عَدَدُ المُسلِمينَ كَثيرًا، ثُمَّ إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لهم: أفطِنتُم لي، أي: شَعَرتُم بأنِّي أقولُ كَلامًا خَفيًّا.
قال الصَّحابةُ: نَعَمْ، أي: أجَلْ يا رَسولَ اللهِ، شَعَرْنا بذلك.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: ذَكَرتُ نَبيًّا مِنَ الأنبياءِ، أي: أنِّي ذَكَرتُ في صَلاتي نَبيًّا مِن أنبياءِ اللهِ أُعطي جُنودًا مِن قَومِه، أي: آتاه اللهُ جُندًا كَثيرينَ مِن قَومِه فأُعجِبَ بهم لقوَّتِهم، وكَأنَّه لم يُرجِعْ سَبَبَ قوَّتِهم إلى اللهِ، فقال هذا النَّبيُّ: مَن يُكافِئُ هؤلاء، أي: يُساوي ويُعادِلُ؟ والمَعنى: لا يُكافِئُهم أحَدٌ في القوَّةِ والعَدَدِ، أو مَن يَقومُ لهم.
قال سُلَيمانُ كَلِمةً شَبيهةً بهذه.
سُلَيمانُ هو ابنُ المُغيرةِ، أحَدُ الرُّواةِ، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي، والمَعنى: أنَّه أعجَبَه كَثرَتُهم وفَهِمَ أنَّه لا يَقدِرُ أحَدٌ على مُقاومَتِهم، وغَفَلَ عنِ الدُّعاءِ لهم بالبَرَكةِ والحِفظِ.
فقيلَ لهذا النَّبيِّ: اختَرْ لقَومِك بَينَ إحدى ثَلاثٍ، أي: خَيَّرَه اللهُ أن يَختارَ إحدى ثَلاثِ خِصالٍ لقَومِه، وفي رِوايةٍ أنَّ اللَّهَ أوحى لهذا النَّبيِّ أن يُخَيِّرَ قَومَه بَينَ هذه الخِصالِ الثَّلاثِ: بَينَ أن أُسَلِّطَ عليهم عَدوًّا مِن غَيرِهم، أي: أُرسِلَ عليهم عَدوًّا مِن خارِجِهم فيَقضوا عليهم.
أوِ الجوعِ، أي: أرسِلُ عليهمُ الجوعَ.
أوِ المَوتِ.
فقال أتباعُ هذا النَّبيِّ: أنتَ نَبيُّ اللهِ، كُلُّ ذلك إليك، فخِرْ لنا، أي: أرجَعْنا الأمرَ إليك أيُّها النَّبيُّ فاختَرْ لنا ما تَراه مُناسِبًا لنا.
فقال في صَلاتِه، أي: قامَ هذا النَّبيُّ يُصَلِّي، فصَلَّى ما شاءَ اللهُ كَما في الرِّوايةِ الأُخرى، وكانوا إذا فَزِعوا.
الفَزَعُ هنا: الخَوفُ، فَزِعوا إلى الصَّلاةِ.
والفزَعُ هنا: الِالتِجاءُ، والمَعنى: أنَّه كان عادَتُهم إذا خافوا مِن شَيءٍ التجَؤوا إلى الصَّلاةِ، لا سيَّما عِندَ الشَّدائِدِ، فقال النَّبيُّ: أمَّا عَدوٌّ مِن غَيرِهم فلا، أي: لا أُريدُ أن تُسَلِّطَ عليهم عَدوًّا مِن خارِجِهم، ففي رِوايةٍ أُخرى: أمَّا العَدوُّ فلا طاقةَ لنا بهم.
وأمَّا الجوعُ فلا، أي: ولا كذلك أن تُسَلِّطَ عليهمُ الجوعَ، فلا صَبرَ لهم على الجوعِ، ولَكِن المَوتَ، أي: أختارُ لهمُ المَوتَ.
فسُلِّطَ عليهم، أي: بَعَثَ وأرسَلَ اللهُ عليهمُ المَوتَ ثَلاثةَ أيَّامٍ، فماتَ سَبعونَ ألفًا! أي: ماتَ خِلالَ ثلاثةِ أيَّامٍ سَبعونَ ألفًا.
ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للصَّحابةِ مُبَيِّنًا لهمُ الكَلامَ الذي هَمَسَ به في صَلاتِه وأخفاه عنهم: فالذي تَرَونَ أنِّي أقولُ، أي: مِنَ الكَلامِ الذي أخفيتُه: رَبِّي بك، أي: بحَولِك وقوَّتِك وعَونِك ونُصرَتِك، أُقاتِلُ، أي: الأعداءَ وأَقهَرُهم، وبِك أصاوِلُ.
الصَّولةُ: الحَملةُ والوثبةُ أي: بك يا اللهُ أحمِلُ على العَدوِّ حتَّى أغلِبَه وأقهَرَه وأستَأصِلَه، ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا بك، أي: لا حَرَكةَ لي ولا استِطاعةَ إلَّا بمَشيئةِ اللهِ تعالى، والمَعنى: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُرجِعُ حَولَه وقُوَّتَه إلى اللهِ تعالى؛ خَشيةَ أن يَقَعَ في أُمَّتِه مِثلُ ما وقَعَ لهذا النَّبيِّ عليه السَّلامُ.
وفي الحَديثِ حِرصُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم على تَتَبُّعِ أحوالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صَلاتِه.
وفيه الإرشادُ إلى نِسبةِ الأُمورِ إلى اللهِ تعالى.
وفيه التَّبَرُّؤُ مِنَ الحَولِ والقوَّةِ خُصوصًا إذا رَأى الإنسانُ ما يُعجِبُه في نَفسِه أو غَيرِه.
وفيه مَشروعيَّةُ الدُّعاءِ بقَولِ: رَبِّي بك أُقاتِلُ، وبِك أُصاولُ، ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا بك، عِندَ القِتالِ .