أنَّ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أُريَ الأُممَ بالموسمِ ، فراثَت عليهِ أُمَّتُهُ ، قالَ: فأريتُ أمَّتي ، فأعجبَني كثرتُهُم ، قَد مَلَأوا السَّهلَ والجبلَ ، فقيلَ لي: أن مِن هؤلاءِ سَبعينَ ألفًا يَدخُلونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ ، همُ الَّذينَ لا يَكْتَوونَ ، ولا يَستَرقونَ ، ولا يَتطيَّرونَ ، وعلَى ربِّهم يتوَكَّلونَ.
فقالَ عُكَّاشةُ: يا رَسولَ اللَّهِ ، ادعُ اللَّهَ أن يَجعَلَني مِنهُم.
فدعا لَهُ ، ثمَّ قامَ - يَعني آخرُ - فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ ، ادعُ اللَّهَ أن يَجعَلَني منَهُم.
قالَ: سبقَكَ بِها عُكَّاشةُ .
أخرجه أحمد (3819)، وابن حبان (6084)، والحاكم (8278) باختلاف يسير
فضَّلَ اللهُ تعالى أُمَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَعَلَها خَيرَ الأُمَمِ؛ وذلك لفَضلِ نَبيِّها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ، ومِن ذلك أنَّ اللَّهَ تعالى يَتَفضَّلُ على أقوامٍ فيُدخِلُهمُ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه فيَقولُ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُريَ الأُمَمَ بالمَوسِمِ، أي: ليلةَ الإسراءِ، كَما يُستَفادُ ذلك مِن رِوايةٍ أُخرى، فراثَت عليه أُمَّتُه، أي: أبطَأت وتَأخَّرَت، ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: فأُرِيتُ أُمَّتي، أي: رَأيتُ أُمَّتي، فأعجَبَني كَثرَتُهم، أي: كَثرةُ عَدَدِهم، قد ملؤوا السَّهلَ -وهو ما انبَسَطَ مِنَ الأرضِ ولَم يَرتَفِعْ- والجَبَلَ.
والمَعنى: أنَّه مِن كَثرةِ عَدَدِهم ملؤوا كُلَّ مَكانٍ في السُّهولِ والجِبالِ، فقيلَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ مِن هؤلاء، أي: مِن أمَّتِك الذينَ رَأيتَهم، سَبعينَ ألفًا يَدخُلونَ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ! أي: لا مُناقَشةَ لهم في المُحاسَبةِ يَومَ القيامةِ، وإنَّما يَدخُلونَ الجَنَّةَ مُباشَرةً.
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَتَهم فقال: همُ الذينَ لا يَكتَوونَ، أي: لا يَستَعمِلونَ الكَيَّ بالنَّارِ على أبدانِهم إذا حَصَلَ لهم مَرَضٌ؛ استِسلامًا للقَضاءِ وتَلَذُّذًا بالبَلاءِ، ولا يَستَرْقونَ، أي: لا يَطلُبونَ مِن أحَدٍ أن يَقرَأَ عليهم لقوَّةِ اعتِمادِهم على اللهِ، وإنَّما يَرْقونَ أنفُسَهم بأنفُسِهم، فالمَنهيُّ عنه هو طَلَبُ الرُّقيةِ، وإلَّا فالرُّقيةُ مَشروعةٌ، ولَكِن تَكونُ بدونِ طَلَبٍ، فالفَرقُ بَينَ الرَّاقي والمُستَرقي: أنَّ المُستَرقيَ سائِلٌ مُستَعِطٍ مُلتَفِتٌ إلى غَيرِ اللهِ بقَلبِه، والرَّاقي مُحسِنٌ إلى غَيرِه.
وإنَّما المُرادُ وَصفُ السَّبعينَ ألفًا بتَمامِ التَّوكُّلِ؛ فهم لا يَسألونَ غَيرَهم أن يَرقيَهم ولا يَكويَهم.
ولا يَتَطَيَّرونَ.
الطِّيَرةُ: التَّشاؤُمُ بالطَّيرِ، والمَعنى: أنَّهم لا يتشاءَمون في أُمورِهم وحَوائِجِهم بسَيرِ الطَّيرِ شَمالًا كَما كانت عادةُ الجاهليَّةِ، وعلى رَبِّهم يَتَوكَّلونَ، أي: مِن كَمالِ إيمانِهم وقوَّةِ تَعَلُّقِهم باللهِ أنَّهم يَعتَمِدونَ في جَميعِ أُمورِهم على اللهِ وَحدَه، والتَّوكُّلُ على اللهِ هو صِدقُ الِالتِجاءِ إليه، والِاعتِمادُ بالقَلبِ عليه، الذي هو نِهايةُ تَحقيقِ التَّوحيدِ الذي يُثمِرُ كُلَّ مَقامٍ شَريفٍ، فقامَ عُكَّاشةُ بنُ مِحصَنٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو مِنَ السَّابِقينَ الأوَّلينَ ومِمَّن شَهدَ بَدرًا، فقال: يا رَسولَ اللهِ، ادعُ اللهَ أن يَجعَلَني مِنهم، أي: أن يَجعَلَني مِن هؤلاء الذينَ يَكونونَ مِنَ السَّبعينَ ألفًا، فدَعا له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قامَ، يَعني آخَرَ، أي: قامَ رَجُلٌ آخَرُ فقال: يا رَسولَ اللهِ، ادعُ اللهَ أن يَجعَلَني مِنهم، أي: وأنا يا رَسولَ اللهِ ادعُ لي.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: سَبَقَك بها عَكَّاشةُ، أي: قد سَبَقَك عَكَّاشةُ بطَلَبِ الدُّعاءِ، وإنَّما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ذلك حتَّى يَقطَعَ البابَ على البَقيَّةِ، فلا يَقومَ كُلُّ واحِدٍ يَطلُبُ الدُّعاءَ، فيَطلُبَها مَن لا يَستَحِقُّها، وهذا مِن حُسنِ خُلُقِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وقيلَ: لم يَكُنِ الرَّجُلُ الثَّاني مِمَّن يَستَحِقُّ تلك المَنزِلةَ ولا بصِفةِ أهلِها بخِلاف عُكَّاشةَ، وقد ضُرِبَ بهذه الجُملةِ المَثَلُ فيُقالُ للسَّبقِ في الأمرِ: سَبَقَك بها عُكَّاشةُ.
وفي الحَديثِ إعجابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَثرةِ أُمَّتِه.
وفيه فَضلُ هذه الأُمَّةِ.
وفيه بَيانُ دُخولِ أقوامِ الجَنَّةِ بغَيرِ حِسابٍ.
وفيه فَضلُ تَركِ الكَيِّ.
وفيه فَضلُ تَركِ طَلَبِ الرُّقيةِ.
وفيه فَضلُ التَّوكُّلِ على اللهِ.
وفيه المُسابَقةُ والمُسارَعةُ في طَلَبِ الخَيرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ طَلَبِ الدُّعاءِ مِنَ الصَّالِحينَ.
وفيه مَنقَبةٌ وفضيلةٌ لعُكَّاشةَ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه بَيانُ حُسنِ خُلُقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَ أصحابِه .
[مسند أحمد] (6/ 369 ط الرسالة) ((3819- حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن زر عن ابن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري الأمم بالموسم، فراثت عليه أمته، قال: (( فأريت أمتي، فأعجبني كثرتهم، قد ملؤوا السهل والجبل، فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)).
فقال عكاشة: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم.
فدعا له، ثم قام- يعني آخر- فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم.
قال: (( سبقك بها عكاشة)).
صحيح ابن حبان (13/ 448) 6084 ـ أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، قال: حدثنا هدبة بن خالد القيسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر عن بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عرضت علي الأمم بالموسم، فرأيت أمتي، فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم قد ملؤوا السهل والجبل، فقال: يا محمد، أرضيت؟ قلت: نعم أي رب، قال: ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون))، فقال عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: ((اللهم اجعله منهم))، ثم قال رجل آخر: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: ((سبقك بها عكاشة)).
[المستدرك على الصحيحين] (4/ 460) 8278- حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد، ثنا أحمد بن زهير بن حرب، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة، ثنا عاصم ابن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عرضت علي الأمم بالموسم فرأيت جميعهم فأعجبني كثرتهم وهيبتهم قد ملأوا السهل والجبل، فقيل: أي محمد رضيت؟ فأقول: نعم أي رب، فقال: إن لك مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)) فقام عكاشة بن محصن، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا له فقام رجل آخر، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: ((سبقك إليها عكاشة)) هذا حديث صحيح الإسناد من أوجه، ولم يخرجاه، وليس فيه نهي عن الرقى، لم يؤثر التوكل عليه والدليل على ذلك ((.