جعلَ أبو موسَى الأشعريُّ يعلِّمُ النَّاسَ سنَّتَهُم ودينَهُم فقالَ: ولا يُدافعنَّ أحدٌ منكُم في بطنِهِ غائطًا ولا بولًا وإن حَكَّ أحدُكُم فَرجَهُ فمرشةً أو مَرشَتينِ وليَكُن ذلِكَ خفيفًا قالَ: فشخَصَ أبصارُهُم أو قالَ: فصرفوها عنهُ فقالَ: ما صَرفَ أبصارَكُم عنِّي ؟ قالوا: الهلالُ أيُّها الأميرُ قالَ: أفذاكَ الَّذي أشخَصَ أبصارَكُم عنِّي ؟ قالوا: نعَم .
قالَ فَكَيفَ بِكُم إذا رأيتُمُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ جَهْرةً
أخرجه ابن عرفة في ((جزئه)) (55)، وواللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد)) (862) كلاهما بلفظه، وعبد الله بن أحمد في ((السنة)) (1095) مختصرا.
مِن عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّ المُؤمِنينَ يَرَونَ اللَّهَ تَبارَكَ وتعالى يَومَ القيامةِ، والنُّصوصُ في ذلك كَثيرةٌ جِدًّا مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ومِن ذلك قَولُه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] ، وأمَّا في الدُّنيا فلا أحَدَ يَراه، ولَم يَرَه أحَدٌ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ أبو مِريةَ وهو أحَدُ التَّابِعينَ: إنَّ أبا موسى الأشعَريَّ رَضِيَ اللهُ عنه جَعَلَ يُعَلِّمُ النَّاسَ سُنَّتَهم ودينَهم، أي: قَعَدَ للنَّاسِ كَي يُعَلِّمَهم أحكامَ الدِّينِ وسُنَّةَ نَبيِّهم، ولَعَلَّ ذلك عِندَما كان أبو موسى أميرًا على البَصرةِ عِندَما ولَّاه عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه، فقد كان أبو موسى هو الذي يُفَقِّهُ أهلَ البَصرةِ ويُقرِئُهم، وكان مِمَّا قاله لهم: ولا يُدافِعَنَّ أحَدٌ مِنكُم في بَطنِه غائِطًا ولا بَولًا، أي: لا يَحبِسْ أحَدُكُمُ البَولَ والغائِطَ في بَطنِه فيَمنَعَ مِن خُروجِهما؛ فإنَّ حَبسَ الغائِطِ والبَولِ يَجلِبُ له الضَّرَرَ في بَدَنِه، وذلك أيضًا يَشغَلُ قَلبَه ويُذهِبُ كَمالَ خُشوعِه إذا كان في الصَّلاةِ، ولَفظُ المُدافَعةِ إشارةٌ إلى شِدَّةِ الِاحتياجِ لقَضاءِ الغائِطِ والبَولِ، فكَأنَّهما يَدفعانِ الشَّخصَ إلى قَضائِهما، وهو يَدفَعُهما حتَّى لا يَقضيَ حاجَتَه.
وإن حَكَّ أحَدُكُم فَرجَه، أي: ذَكَرَه، فمَرشةً أو مَرشَتَينِ.
المَرشُ: الحَكُّ بأطرافِ الأظفارِ، أي: فليُحَكَّ ذَكَرَه مَرَّةً أو مَرَّتَينِ، وليَكُنْ ذلك الحَكُّ خَفيفًا لا شَديدًا حتَّى لا يَجرَحَ ذَكَرَه.
يَقولُ أبو مِريةَ: فشَخَصَ أبصارُهم، أو قال: فصَرَفوها عنه.
شُخوصُ البَصَرِ: ارتِفاعُ الأجفانِ إلى فوقٍ، وتَحديدُ النَّظَرِ، أي: أنَّ القَومَ الذينَ كانوا عِند أبي موسى صَرَفوا أبصارَهم وجَعَلوا يَنظُرونَ إلى شَيءٍ ما.
فلَمَّا رَأى أبو موسى فِعلَهم، قال لهم: ما صَرَف أبصارَكُم عنِّي؟ أي: ما سَبَبُ صَرفِكُم لأبصارِكُم عنِّي؟ فقالوا له: الهلالُ أيُّها الأميرُ، أي: نَظَرنا إلى الهلالِ.
وفي رِوايةٍ: نَظَرنا إلى القَمَرِ.
والمَعنى: أنَّهم أعجَبَهم حُسنُ مَنظَرِ الهلالِ، فقال أبو موسى: أفذاكَ الذي أشخَص أبصارَكُم عنِّي؟ أي: لهذا الأمرِ صَرَفتُم أبصارَكُم عنِّي.
فقالوا له: نَعَمْ، أي: لأجلِ ذلك.
فقال أبو موسى: فكَيف بكُم إذا رَأيتُمُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَهرةً؟! أي: أنتُم شَخَصتُم بأبصارِكُم لأجلِ هذا الهلالِ الصَّغيرِ المَخلوقِ، فكَيف سَيَكونُ حالُكُم وشَأنُكُم إذا رَأيتُمُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلانيةً تَرَونَه بأبصارِكُم واضِحًا، وهو الجَميلُ سُبحانَه؟! وفي الحَديثِ جُلوسُ العالِمِ للنَّاسِ لتَعليمِهم أمرَ دينِهم.
وفيه عَدَمُ مُدافَعةِ البَولِ والغائِطِ.
وفيه مَشروعيَّةُ حَكِّ الفَرجِ.
وفيه الحِرصُ على مُحافظةِ الإنسانِ على صِحَّةِ أعضائِه الدَّاخِليَّةِ والخارِجيَّةِ.
وفيه سُؤالُ العالِمِ للتَّلاميذِ إذا رَأى مِنهمُ انصِرافًا عنِ الدَّرسِ ونَحوِه.
وفيه البُشرى للمُؤمِنينَ برُؤيةِ رَبِّهم تعالى جَهرةً يَومَ القيامةِ .
الحنائيات لأبي القاسم الحنائي (تخريج النخشبي) (1/ 693)
124-[[131]] أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن هلال الحنائي قراءة عليه ثنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار قال: ثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن سليمان التيمي عن أسلم العجلي عن أبي مرية قال: جعل أبو موسى الأشعري يعلم الناس سنتهم ودينهم فقال: ولا يدافعن أحد منكم في بطنه غائطا ولا بولا وإن حك أحدكم فرجه فمرشة أو مرشتين وليكن ذلك خفيفا قال: فشخص أبصارهم أو قال: فصرفوها عنه فقال: ما صرف أبصاركم عني؟ قالوا: الهلال أيها الأمير قال: أفذاك الذي أشخص أبصاركم عني؟ قالوا: نعم.
قال فكيف بكم إذا رأيتم الله عز وجل جهرة.
هذا حديث حسن من حديث أبي المعتمر سليمان بن طرخان القيسي مولاهم وإنما نزل في تيم فنسب إليهم عن أسلم العجلي عن أبي مراية واسمه عبد الله بن عمرو العجلي عن أبي موسى الأشعري وقع إلينا عاليا من حديث ابن علية عنه.
جزء ابن عرفة (ص: 73) 55 - حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن أبي مراية، قال: جعل أبو موسى يعلم الناس سنتهم ودينهم، فقال: ولا يدافعن أحد منكم في بطنه غائطا ولا بولا، وإن حك أحدكم فرجه فمرشة، أو مرشتين، وليكن ذلك خفيفا قال: فشخصت أبصارهم، أو قال: فصرفوها عنه، فقال: ما صرف أبصاركم عني ؟ قالوا: الهلال أيها الأمير، قال: فذلك الذي صرف أبصاركم عني ؟، قالوا: نعم، قال: كيف بكم إذا رأيتم الله جهرة
شرح أصول اعتقاد (3/ 551) 862 - أخبرنا عبد العزيز بن محمد، والقاسم بن جعفر، قالا: أخبرنا الحسين بن يحيى، قال: ثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن أبي مراية، قال: " جعل أبو موسى يعلم الناس سنتهم ودينهم قال: فشخصت أبصارهم , أو قال وحرفوها عنه قال: فما حرف أبصاركم عني؟ قالوا: الهلال أيها الأمير , قال: فذلك أشخص أبصاركم عني؟ قالوا: نعم , قال: فكيف بكم إذا رأيتم الله جهرة "
السنة لعبد الله بن أحمد (2/ 478) 1095 - حدثني محمد بن عبد الله الرازي، نا معتمر، حدثني أبي، عن أسلم العجلي، عن أبي مرية، عن أبي موسى ، وكان يعلمهم من سنتهم، قال: فبينا يحدثهم إذ شخصت أبصارهم، قال: ما أشخص أبصاركم عني؟ قالوا: القمر، قال: فكيف إذا رأيتم الله عز وجل جهرة