قُلتُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: حَسبُكَ من صَفيَّةَ كذا وكذا -قال غيرُ مُسدَّدٍ: تَعني قصيرةً- فقال: لقد قُلتِ كَلِمةً لو مُزِجَتْ بماءِ البَحرِ لمَزَجَتْه! قالت: وحَكَيتُ له إنسانًا، فقال: ما أُحِبُّ أنِّي حَكَيتُ إنسانًا، وإنَّ لي كذا وكذا.

الدلالات الموضوعية:# آداب الكلام - ما يجتنب من الكلام# آفات اللسان - الغيبة# رقائق وزهد - الترهيب من مساوئ الأعمال
المصدر: تخريج سنن أبي داود
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (4875) واللفظ له، والترمذي (2502)، وأحمد (25560) بنحوه.

الشرح والتوضيح

مِنَ الأخلاقِ الذَّميمةِ التي حَذَّرَ مِنها اللهُ ورَسولُه خُلُقُ الغِيبةِ، وهيَ ذِكرُ الشَّخصِ في غَيبَتِه بما يَكرَهُ، فهو خُلُقٌ قَبيحٌ؛ فليس مِن أخلاقِ المُسلِمِ أن يَغتابَ أخاه ويَتَكَلَّمَ فيه، وقد شَبَّهَ اللهُ تعالى ذلك بمَن يَأكُلُ لحمَ أخيه مَيتًا، فقال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12] أي: لا يَتَناولْ بَعضُكُم بَعضًا بظَهرِ الغَيبِ بما يَسوؤه مِمَّا هو فيه، والغِيبةُ قد تَكونُ بالقَولِ أو بالفِعلِ.

وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالت للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: حَسَبُك، أي: يَكفيك، مِن صَفيَّةَ.

وهيَ صَفيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ زَوجةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: يَكفي مِن عُيوبِها البَدَنيَّةِ، كَذا وكَذا.

كِنايةً عن ذِكرِ بَعضِ عُيوبِها، قال غَيرُ مُسَدَّدٍ، أي: بَيَّنَ بَعضُ الرُّواةِ الوَصفَ الذي ذَكَرَته عائِشةُ في صَفيَّةَ: تَعني قَصيرةً، أي: أنَّ عائِشةَ ذَكَرَت مِن وَصفِ صَفيَّةَ أنَّها قَصيرةٌ.

فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعائِشةَ: لقد قُلتِ، أي: يا عائِشةُ، كَلِمةً لو مُزِجَت، أي: خُلِطَت، بماءِ البَحرِ، أي: لو قُدِّرَ أنَّ الكَلِمةَ التي قُلتِها شَيءٌ مائِعٌ فخُلِطَ بماءِ البَحرِ، لمَزَجَته، أي: غَلَبَته وغَيَّرَته وأفسَدَته لشِدَّةِ نَتنِها وقُبحِها.

والمَعنى: أنَّ هذه الغِيبةَ لو كانت مِمَّا يُمزَجُ بالبَحرِ لغَيَّرَته عن حالِه مَعَ كَثرَتِه وغَزارَتِه، وهذا كُلُّه مُبالَغةٌ عَظيمةٌ وزَجرٌ شَديدٌ وتَحذيرٌ أكيدٌ في تَركِ الغِيبةِ والِاستِماعِ إليها.

قالت عائِشةُ: وحَكَيتُ له، أي: للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إنسانًا، أي: فعَلتُ له مِثلَ فِعلِه، أو قُلتُ له مِثلَ قَولِه مُنَقِّصةً له، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أُحِبُّ أنِّي حَكَيتُ إنسانًا، أي: ما يَسُرُّني أن أتَحَدَّثَ بعَيبِه، أو ما يَسُرُّني أن أُحاكيَه بأن أفعَلَ مِثلَ فِعلِه أو أقولَ مِثلَ قَولِه، على وَجهِ التَّنقيصِ، وإنَّ لي كَذا وكَذا، أي: ولَو أُعطِيتُ كَذا وكَذا مِنَ المالِ أوِ الدُّنيا.

وفي الحَديثِ خُطورةُ أمرِ الغِيبةِ.

وفيه خُطورةُ مُحاكاةِ الآخَرينَ وانتِقاصِهم.

وفيه إنكارُ المُنكَرِ بالقَولِ على مَن وقَعَ مِنه .

الأصول والأحكام

سنن أبي داود (4/ 269) 4875 - حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة، عن عائشة ، قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، قال غير مسدد: تعني قصيرة، فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا

[سنن الترمذي] (4/ 660) 2502 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة، - وكان من أصحاب ابن مسعود - عن عائشة ، قالت: حكيت للنبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: ما يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا وكذا، قالت: فقلت: يا رسول الله إن صفية امرأة، وقالت بيدها هكذا كأنها تعني قصيرة، فقال: لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج

[مسند أحمد] (42/ 361) 25560 - حدثنا عبد الرحمن، قال: سمعت سفيان، يحدث قال: حدثنا علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة - وكان من أصحاب عبد الله، وكان طلحة يحدث عنه - عن عائشة قالت: " حكيت للنبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: " ما يسرني أني حكيت رجلا، وأن لي كذا وكذا، قالت: فقلت يا رسول الله إن صفية امرأة - وقال بيده كأنه يعني قصيرة - فقال: لقد مزجت بكلمة، لو مزج بها ماء البحر مزجت

أحاديث ذات صلة