لمَّا بعَثني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى اليَمَنِ، فقُلتُ: تَبعَثُني وأنا رجُلٌ حديثُ السِّنِّ، وليس لي عِلمٌ بكثيرٍ منَ القَضاءِ؟ قال: فضرَب صَدْري رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقال: اذهَبْ.
فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سيُثَبِّتُ لسانَكَ، ويَهْدي قلبَكَ، قال: فما أَعْياني قَضاءٌ بيْنَ اثنيْنِ.
أخرجه أبو داود (3582)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8420)، وابن ماجه (2310)، وأحمد (1145) واللفظ له
جيلُ الصَّحابةِ خَيرُ القُرونِ، وهم أيضًا خَيرُ هذه الأمَّةِ، أثنى اللهُ تعالى عليهم ومَدَحَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وبَيَّنَ فَضلَهم في أحاديثَ كَثيرةٍ؛ وذلك لِما قاموا به مِن نُصرةِ هذا الدِّينِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ تعالى، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه؛ ابنُ عَمِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان مِن أوائِلِ مَن أسلَمَ وهو صَغيرُ السِّنِّ، ولمَّا هاجَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم إلى المَدينةِ واستَقَرَّ بها وبَدَأ يَبعَثُ الدُّعاةَ إلى البُلدانِ ليَدعوا النَّاسَ إلى الإسلامِ ويُعَلِّموهم، بَعَثَ عَليًّا إلى اليَمَنِ، وفي هذا الحَديثِ يُبَيِّنُ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه قِصَّةَ بَعثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم له إلى اليَمَنِ، فيَقولُ: لمَّا بَعَثَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى اليَمَنِ، أي: أرسَلَني إليهم مُعَلِّمًا وداعيًا وقاضيًا فيهم، فقال عليٌّ: تَبعَثُني وأنا رَجُلٌ حَديثُ السِّنِّ، أي: صَغيرُ السِّنِّ شابٌّ، ولَيسَ لي عِلمٌ بكَثيرٍ مِنَ القَضاءِ! أي: لا أعرِفُ كَيفيَّةَ القَضاءِ ولا جَرَّبتُها مِن قَبلُ.
فضَرَبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على صَدرِ عَليٍّ.
وإنَّما خُصَّ الضَّربُ على الصَّدرِ لأنَّه مَحَلُّ العِلمِ؛ لأنَّ القَلبَ فيه، وقال: اذهَبْ، أي: لا تَقلَقْ مِن ذلك؛ فإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سيُثَبِّتُ لسانَك، أي: سيَجعَلُك تَنطِقُ بالصَّوابِ، ويَهدي قَلبَك، أي: يوفِّقُك ويَهديك للحُكمِ بالصَّوابِ.
يَقولُ عليٌّ: فما أعياني قَضاءٌ بَينَ اثنَينِ، أي: لَم يُعجِزْني أيُّ قَضاءٍ أقضيه بَينَ خَصمَينِ، ببَرَكةِ دُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ بَعثِ الدُّعاةِ والعُلَماءِ للنَّاسِ لتَعليمِهم أمرَ دينِهم.
وفيه فَضلُ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه بَيانُ ما أُوتيَ عليٌّ مِن عِلمِ القَضاءِ.
وفيه مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
[سنن أبي داود] (3/ 327 ط مع عون المعبود) 3582- حدثنا عمرو بن عون، قال: نا شريك، عن سماك، عن حنش، عن علي قال: ((بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء قال: فما زلت قاضيا، أو ما شككت في قضاء بعد)).
[السنن الكبرى - للنسائي] (5/ 117) 8420- أخبرنا أحمد بن سليمان قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا شريك عن سماك بن حرب عن حنش بن المعتمر عن علي رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى اليمن وأنا شاب فقلت يا رسول الله تبعثني وأنا شاب إلى قوم ذوي أسنان لأقضي بينهم ولا علم لي بالقضاء فوضع يده على صدري ثم قال إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء قال علي فما اشكل علي قضاء بعد
[سنن ابن ماجه] (2/ 774 ) 2310- حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا يعلى، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي ، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم، ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب بيده في صدري، ثم قال: ((اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه))، قال: فما شككت بعد في قضاء بين اثنين
[مسند أحمد] (2/ 356 ط الرسالة) ((1145- حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البختري الطائي قال: أخبرني من سمع عليا يقول: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقلت: تبعثني وأنا رجل حديث السن، وليس لي علم بكثير من القضاء؟ قال: فضرب صدري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (( اذهب، فإن الله عز وجل سيثبت لسانك، ويهدي قلبك)).
قال: فما أعياني قضاء بين اثنين ))