يُفتَحُ يأجوجُ ومأجوجُ ، ويَخرجُونَ على النَّاسِ ، كما قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ : مِنْ كُلِّ حَدبٍ يَنْسِلُونَ ، فيَغشونَ الأرضَ ، ويَنحازُ المسلِمونَ عَنهم إلى مدائنِهِم وحصونِهِم ، ويضمُّونَ إليهم مواشيَهُم ، ويَشربونَ مياهَ الأرضِ ، حتَّى أنَّ بعضَهُم ليمرُّ بالنَّهرِ فيَشربونَ ما فيهِ ، حتَّى يترُكوهُ يبسًا ، حتَّى أنَّ مَن بعدَهُم ليَمرُّ بذلِكَ النَّهرِ فيقولُ : قد كانَ ههُنا ماءٌ مرَّةً ، حتَّى إذا لم يبقَ منَ النَّاسِ إلَّا أحَدٌ في حصنٍ أو مدينةٍ قالَ قائلُهُم : هؤلاءِ أَهْلُ الأرضِ ، قَد فَرَغنا مِنهُم ، بقيَ أَهْلُ السَّماءِ ، قالَ : ثمَّ يَهُزُّ أحدُهُم حَربتَهُ ثمَّ يرمي بِها إلى السَّماءِ ، فترجعُ مُختَضِبةً دمًا ، للبلاءِ والفِتنةِ ، فبينَما هم علَى ذلِكَ ، إذ بعثَ اللَّهُ دودًا في أعناقِهِم ، كنغفِ الجراد الَّذي يخرجُ في أعناقِهِم ، فيصبحونَ موتى لا يسمعُ لَهُم حسًّا ، فيقولُ المسلمونَ : ألا رجلٌ يشري نفسَهُ فينظرَ ما فعلَ هذا العدوُّ .

قالَ : فَيتجرَّدُ رجلٌ منهُم لذلِكَ مُحتسبًا لنَفسِهِ قد أظنَّها على أنَّهُ مَقتولٌ ، فينزِلُ ، فيجدُهُم مَوتَى بعضُهُم علَى بَعضٍ ، فيُنادي : يا مَعشرَ المسلِمينَ ، ألا أبشِروا ، فإنَّ اللَّهَ قد كفاكم عدوَّكُم .

فيخرجونَ من مدائنِهِم ، وحصونِهِم ، ويسرِّحونَ مواشيَهُم ، فما يَكونُ لَها رعيٌ إلَّا لحومُهُم ، فتشكَرُ عنهُ كأحسنِ ما تشكرُ عن شَيءٍ منَ النَّباتِ أصابَتهُ قطُّ.

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - إخبار النبي عن المغيبات# أشراط الساعة - إخبار النبي ما سيكون إلى يوم القيامة# أشراط الساعة - أمارات الساعة وأشراطها# أشراط الساعة - علامات الساعة الكبرى# أشراط الساعة - يأجوج ومأجوج
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: أبو سعيد الخدري
المحدث: الوادعي
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (11731) بلفظه، وابن حبان (6830)، والحاكم (8504) كلاهما بلفظ مقارب، وابن ماجه (4079) بنحوه.

الشرح والتوضيح

مِن أركانِ الإيمانِ: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، وذلك يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بما يَكونُ في ذلك اليَومِ مِنَ الأهوالِ والأحوالِ التي فيها يَتَغَيَّرُ مَعالِمُ هذا الكَونِ، وإنَّ مِنَ الأمورِ المُتَعَلِّقةِ باليَومِ الآخِرِ الإيمانَ بأشراطِ السَّاعةِ، أي: عَلاماتِ يَومِ القيامةِ؛ فإنَّ السَّاعةَ لا تَقومُ حتَّى تَظهَرَ عَلاماتٌ بَيَّنَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن تلك العَلاماتِ خُروجُ يَأجوجَ ومَأجوجَ، وهما أمَّتانِ مِن بَني آدَمَ مَوجودَتانِ ومَحبوسَتانِ يَخرُجونَ في آخِرِ الزَّمانِ، وقد جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ بخَبَرِهم، وفي هذا الحَديثِ بَيانُ بَعضِ صِفاتِهم وأخبارِهم، يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يُفتَحُ يَأجوجُ ومَأجوجُ، أي: يُفتَحُ عنهم رَدمُ وسَدُّ ذي القَرنَينِ الذي بَناه عليهم، فيَظَلُّونَ يَنقُبونَ في هذا السَّدِّ حتَّى يُؤذَنَ لهم بالخُروجِ، فيَخرُجونَ على النَّاسِ، وحالُهم كما قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ}.

والحَدَبُ: المَكانُ المُرتَفِعُ، {يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96] ، أي: يُسرِعونَ، والمَعنى: أنَّهم عِندَ خُروجِهم يَنزِلونَ مُسرِعينَ مِنَ الأماكِنِ المُرتَفِعةِ، أو أنَّهم يَنتَشِرونَ في كُلِّ مَكانٍ، فيَغْشَونَ الأرضَ، أي: يَملَؤونها، ويَنحازُ المُسلِمونَ عنهم، أي: يَتَحَصَّنُ المُسلِمونَ إلى مدائِنِهم وحُصونِهم، ويَضُمُّونَ إليهم مَواشيَهم، أي: يَأخُذُ المُسلِمونَ أنعامَهم مَعَهم ويُدخِلونَها في الحُصونِ لحِمايَتِها مِن يَأجوجَ ومَأجوجَ، ثُمَّ إنَّ يَأجوجَ ومَأجوجَ يَشرَبونَ مياهَ الأرضِ كُلَّها، حتَّى إنَّ بَعضَهم ليَمُرُّ بالنَّهرِ فيَشرَبونَ ما فيه حتَّى يَترُكوه يَبَسًا! أي: لكَثرَتِهم وعَظيمِ خِلقَتِهم يَشرَبونَ ماءَ النَّهرِ كامِلًا حتَّى يَترُكوه جافًّا، ثُمَّ تَأتي جَماعةٌ أُخرى مِنهم ويَمُرُّونَ بهذا النَّهرِ فيَقولونَ: قد كان هَاهنا ماءٌ مَرَّةً، أي: أنَّه كان يوجَدُ بهذا النَّهرِ ماءٌ.

حتَّى إذا لم يَبقَ مِنَ النَّاسِ إلَّا أحَدٌ في حِصنٍ أو مَدينةٍ، أي: أنَّه إذا أصبَحَ كُلُّ النَّاسِ في الحُصونِ والمُدُنِ ولَم يَبقَ في الأرضِ أحَدٌ، قال قائِلُهم، أي: مِن يَأجوجَ ومَأجوجَ: هؤلاء أهلُ الأرضِ قد فرَغنا مِنهم، أي: قد تَخَلَّصنا مِن أهلِ الأرضِ وقَضَينا عليهم، بَقيَ أهلُ السَّماءِ، أي: بَقيَ علينا القَضاءُ على مَن في السَّماءِ! ثُمَّ يَهُزُّ أحَدُهم حَربَتَه، أي: يُحَرِّكُ أحَدُهم رُمحَه، ثُمَّ يَرمي بها إلى السَّماءِ، أي: يُريدُ بذلك قَتلَ مَن في السَّماءِ، فتَرجِعُ له حَربَتُه مُختَضِبةً دَمًا، أي: مُتَلَطِّخةً بالدَّمِ؛ للبَلاءِ والفِتنةِ، أي: حتَّى يَكونَ مَزيدَ فِتنةٍ لهم وابتِلاءٍ؛ حَيثُ يَزعُمونَ بذلك أنَّهم قد قَتَلوا أهلَ السَّماءِ.

فبَينَما هم على ذلك، أي: وقتَ مُحادَثَتِهم بقَولِهم: قد قَتَلنا أهلَ الأرضِ، والآنَ قد قَتَلنا أهلَ السَّماءِ، إذ بَعَثَ اللهُ، أي: يُرسِلُ اللهُ، عليهم دودًا في أعناقِهم، أي: رِقابِهم، كنَغَفِ الجَرادِ الذي يَخرُجُ في أعناقِهم.

ونَغَفُ الجَرادِ: ما تَحتَ جَناحِه مِنَ الذَّنَبِ الطَّويلِ، وقيلَ: النَّغَفُ: دودٌ يَكونُ في أنوفِ الإبِلِ والغَنَمِ، فيَأخُذُ هذا النَّغَفُ في رِقابِهم، فيَموتونَ مَوتَ الجَرادِ مَوتًا عامًّا، فيُصبِحونَ مَوتى لا يُسمَعُ لهم حِسًّا، أي: لا يُسمَعُ لهم صَوتٌ ولا حَرَكةٌ.

فيَقولُ المُسلِمونَ وهم في حُصونِهم: ألا رَجُلٌ يَشري نَفسَه، أي: يَبيعُ نَفسَه للهِ ويَبذُلُها في سَبيلِ اللهِ فيَخرُجُ ويَذهَبُ ويَنظُرُ ما فعَلَ هذا العَدوُّ، أي: كَيف أصبَحَ حالُهم.

فيَتَجَرَّدُ، أي: يُبادِرُ رَجُلٌ مِنهم لذلك مُحتَسِبًا لنَفسِه، أي: طالِبًا الثَّوابَ مِنَ اللهِ، قد أظَنَّها -وفي رِوايةٍ: وطَّنَها- على أنَّه مَقتولٌ، أي: تَوقَّعَ وعَرَف أنَّه سَوف يُقتَلُ.

فيَنزِلُ هذا الرَّجُلُ ويَذهَبُ فيَجِدُ يَأجوجَ ومَأجوجَ مَوتى بَعضُهم على بَعضٍ.

فيُنادي في أصحابِه: يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، ألَا أبشِروا، أي: بالنَّصرِ على أعدائِكُم وسَلامَتِكُم مِن شَرِّهم؛ فإنَّ اللَّهَ قد كَفاكُم عَدوَّكُم، أي: خَلَّصَكُم مِن هذا العَدوِّ الذي كُنتُم لا تَستَطيعونَ مُقاومَتَه، فيَخرُجُ المُسلِمونَ مِن مدائِنِهم وحُصونِهم، ويُسَرِّحونَ مَواشيَهم، أي: يَجعَلونَها تَرعى في المَرعى، فما يَكونُ لها، أي: للمَواشي، رَعيٌ، أي: مِنَ الحَشيشِ، إلَّا لُحومُهم، أي: لُحومُ يَأجوجَ ومَأجوجَ.

والمَعنى: أنَّ رَعيَ المَواشي يَكونُ مِن أكلِ لَحمِ يَأجوجَ ومَأجوجَ المُلقى في الأرضِ مِن كَثرَتِهم، فتَشكَرُ عنه، أي: تَسمَنُ وتَمتَلِئُ شَحمًا، كأحسَنِ ما تَشكَرُ عن شَيءٍ مِنَ النَّباتِ أصابَته قَطُّ! أي: أنَّ هذه المَواشيَ تَمتَلِئُ بُطونُها شَبِعًا مِنَ الأكلِ مِن لُحومِهم وتَسمَنُ أشَدَّ مِن شِبَعِها وسِمَنِها عِندَما تَأكُلُ النَّباتَ، وهذا مِن خَرقِ العادةِ؛ لأنَّ المَواشيَ لا تَأكُلُ اللَّحمَ.

وفي الحَديثِ عَلَمٌ مِن أعلامِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه إثباتُ خُروجِ يَأجوجَ ومَأجوجَ.

وفيه بَيانُ بَعضِ أحوالِ وأخبارِ يَأجوجَ ومَأجوجَ.

وفيه بَيانُ شِدَّةِ فِتنةِ يَأجوجَ ومَأجوجَ وكَثرةِ عَدَدِهم.

وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ هَلاكِ يَأجوجَ ومَأجوجَ.

وفيه فَضلُ اللهِ تعالى على عِبادِه .

أحاديث ذات صلة