كان النَّاسُ إذا نزَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَنزِلًا، فعَسكَرَ، تَفرَّقوا عنه في الشِّعابِ والأَوْديةِ، فقامَ فيهم، فقال: إنَّ تَفرُّقَكم في الشِّعابِ والأَوْديةِ إنَّما ذلكم منَ الشيطانِ، قال: فكانوا بعدَ ذلك إذا نَزَلوا انضَمَّ بعضُهم إلى بعضٍ، حتى إنَّكَ لَتقولُ: لو بسَطْتَ عليهم كِساءً لَعَمَّهم، أو نَحوَ ذلك.
أخرجه أبو داود (2628)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8856)، وأحمد (17736) واللفظ له
مِن أعظَمِ الأمورِ التي حَثَّت عليها الشَّريعةُ ورَغَّبَت فيها: الأمرُ بالِاجتِماعِ والتَّقارُبِ، وعَدَمُ التَّفرُّقِ والِاختِلافِ، كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ، والشَّيطانُ حَريصٌ على تَفرُّقِ المُسلِمينَ ومُباعَدَتِهم؛ لأنَّ التَّفرُّقَ سَبَبٌ للهَزيمةِ والفشَلِ؛ ولِذا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحَذِّرُ أصحابَه مِنَ التَّفرُّقِ، ويَأمُرُهم بالِاجتِماعِ والتَّقارُبِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو ثَعلَبةَ الخُشَنيُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: كان النَّاسُ، أي: المُسلِمونَ، إذا نَزَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَنزِلًا، أي: خَرَجَ وسافرَ فنَزَلَ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ، فعَسكَرَ، أي: نَزَلَ حتَّى يُقيمَ في ذلك المَكانِ، تَفرَّقوا عنه، أي: انتَشَروا ولَم يَجتَمِعوا في مَكانٍ واحِدٍ، في الشِّعابِ: جَمعُ شِعبٍ، وهو الطَّريقُ في الجَبَلِ، وقيلَ: ما انفرَجَ بَينَ جَبَلَينِ، والأوديةِ: جَمعُ الوادي، وهو المَسيلُ مِمَّا بَينَ الجَبَلَينِ، وإنَّما كانوا يَنزِلونَ مُتَفرِّقينَ يَطلُبونَ الظِّلالَ ليَرتَفِقوا به لِما ينالُهم مِن مَشَقَّةِ السَّفرِ، فلَمَّا رَأى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فِعلَهم ذلك قامَ فيهم، أي: خَطيبًا، فقال لهم: إنَّ تَفرُّقَكُم في الشِّعابِ والأوديةِ إنَّما ذلكم، أي: هذا التَّفرُّقُ الذي تتفَرَّقونه في الشِّعابِ، مِنَ الشَّيطانِ، أي: هو الذي يَدعوكُم إليه، حتَّى إذا تَفرَّقتُم طَمِعَ فيكُمُ العَدوُّ.
فانتَبَهَ الصَّحابةُ لهذا الأمرِ وامتَثَلوا أمرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكانوا بَعدَ ذلك يَجتَمِعونَ، يَقولُ أبو ثَعلَبةَ: فكانوا بَعدَ ذلك، أي: بَعدَ كَلامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لهم إذا نَزَلوا، أي: سافَروا فنَزَلوا في مَكانٍ، انضَمَّ بَعضُهم إلى بَعضٍ، أي: اجتَمَعوا في مَكانٍ واحِدٍ ولَم يَتَفرَّقوا؛ امتِثالًا لأمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتَّى إنَّه مِن شِدَّةِ تَقارُبِهم لَو بَسَطتَ، أي: فَرَشتَ عليهم كِساءً، أي: ثَوبًا، لعَمَّهم، أي: لشَمِلَهم جَميعًا بدونِ استِثناءٍ.
والمَعنى: أنَّه لَو أرادَ الواحِدُ أن يُغَطِّيَهم بثَوبٍ لَغَطَّاهم جَميعًا مِن شِدَّةِ قُربِ بَعضِهم مِن بَعضٍ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ النُّزولِ والِاستِراحةِ في السَّفرِ.
وفيه التَّحذيرُ مِنَ التَّفرُّقِ.
وفيه فَضلُ الصَّحابةِ وشِدَّةُ اعتِنائِهم بالدِّينِ، وحِرصُهم على العَمَلِ بما أُمِروا به ومُبادَرَتُهم إلى تَركِ ما نُهوا عنه .
[سنن أبي داود] (2/ 345 ط مع عون المعبود) 2628- حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي، ويزيد بن قبيس من أهل جبلة ساحل حمص (وهذا لفظ يزيد) قالا: نا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء أنه سمع مسلم بن مشكم أبا عبيد الله يقول: حدثنا أبو ثعلبة الخشني قال: ((كان الناس إذا نزلوا منزلا قال عمرو: كان الناس إذا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية، إنما ذلكم من الشيطان فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم)).
[السنن الكبرى - للنسائي] (5/ 269) 8856- أخبرني عمرو بن عثمان عن الوليد عن عبد الله بن العلاء بن زبير أنه سمع أبا عبيد الله مسلم بن مشكم يقول حدثنا أبو ثعلبة الخشني قال كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا نزل منزلا فعسكر تفرقوا عنه في الشعاب والأودية فقام فيهم فقال إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان فكانوا إذا نزلوا بعد ذلك انضم بعضهم إلى بعض حتى إنك تقول لو بسطت عليهم كساء لعمتهم أو نحو ذلك
[مسند أحمد] (29/ 272 ط الرسالة) ((17736- حدثنا علي بن بحر، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله- يعني ابن زبر- أنه سمع مسلم بن مشكم يقول: حدثنا أبو ثعلبة الخشني قال: كان الناس إذا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فعسكر، تفرقوا عنه في الشعاب والأودية، فقام فيهم فقال: (( إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان)) قال: فكانوا بعد ذلك إذا نزلوا، انضم بعضهم إلى بعض، حتى إنك لتقول: لو بسطت عليهم كساء لعمهم، أو نحو ذلك ))