كانَ قومٌ من أَهْلِ مَكَّةَ أسلَموا ، وَكانوا يستَخفونَ بالإسلامِ ، فأخرجَهُمُ المشرِكونَ يومَ بدرٍ معَهُم ، فأصيبَ بعضُهُم قالَ المسلِمونَ : كانَ أصحابُنا هؤلاءِ مسلِمينَ وأُكْرِهوا ، فاستَغفَروا لَهُم ، فنزلَت : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآيةِ ، قالَ : فَكَتبَ إلى من بقيَ منَ المسلمينَ بِهَذِهِ الآيةِ : لا عُذرَ لَهُم .
قالَ : فخَرجوا فلحقَهُمُ المشرِكونَ فأعطوهمُ الفِتنةَ ، فنزلت هذِهِ الآيةُ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمنَّا بِاللَّهِ الآيةَ
أخرجه الطبري في ((تفسير الطبري)) (7/ 381)، واللفظ له مطولا، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3377)، باختلاف يسير مختصرا، والبخاري (7085)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11054)، بلفظ مقارب.
لمَّا بَعَثَ اللهُ رَسولَه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لدَعوةِ النَّاسِ لتَوحيدِ اللهِ تعالى، كَذَّبه قَومُه وآذَوه أشَدَّ الأذى، ولَم يُؤمِنْ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قِلَّةٌ قَليلةٌ مِنَ الضُّعَفاءِ، فتَسَلَّط كُفَّارُ قُرَيشٍ على مَن آمَنَ وآذَوهم وضَرَبوهم وضَيَّقوا عليهم، فكان بَعضُ أهلِ مَكَّةَ يُسلِمُ سِرًّا ويَكتُمُ إسلامَه خَوفًا مِن أذى قُرَيشٍ؛ يَقولُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: كان قَومٌ مِن أهلِ مَكَّةَ أسلَموا، أي: دَخَلوا في الإسلامِ، وكانوا يَستَخْفونَ بالإسلامِ، أي: يُخفونَه ولا يُظهِرونَ أنَّهم أسلَموا؛ خَوفًا مِن إيذاءِ قُرَيشٍ لهم، فأخرجهمُ المُشرِكونَ يَومَ بَدرٍ مَعَهم، أي: لمَّا كانت غَزوةُ بَدرٍ في السَّنةِ الثَّانيةِ للهجرةِ أخرج المُشرِكونَ مَن كان يَستَخفي بإسلامِه مَعَهم للقِتالِ ولَم يَكونوا يُريدونَ الخُروجَ، لَكِن أخرجوهم مُكرَهينَ، فأصيبَ بَعضُهم، أي: قُتِلوا مَعَ الكُفَّارِ.
فقال المُسلِمونَ: كان أصحابُنا هؤلاء مُسلِمينَ وأُكرِهوا، فاستَغفِروا لهم، أي: أنَّهم كانوا مُكرَهينَ على القِتالِ وإلَّا فهمَ مُسلِمونَ؛ ولِذلك سَوف نَطلُبُ مِنَ اللهِ لهمُ المَغفِرةَ.
فعِندَ ذلك نَزَلَتِ الآيةُ: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] أي: ظَلَموا أنفُسَهم بخُروجِهم مَعَ المُشرِكينَ وتَكثيرِ سَوادهم حتَّى قُتِلوا مَعَهم، مَعَ أنَّهم كانوا لا يُريدونَ بقُلوبِهم موافقَتَهم، وظَلَموا أنفُسَهم أيضًا بمُقامِهم بمَكَّةَ وعَدَمِ الهجرةِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لَم يَقبَلِ الإسلامَ بَعدَ هجرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا بالهجرةِ، فكَتَبَ الصَّحابةُ إلى مَن بَقيَ مِنَ المُسلِمينَ في مَكَّةَ بهذه الآيةِ، أي: أرسَلوا لهم بنُزولِ هذه الآيةِ وأنَّه لا عُذرَ لهم بَعدَ نُزولِ الآيةِ في بَقائِهم في مَكَّةَ، وعليهم بالهجرةِ.
فخَرَجَ مَن بَقيَ في مَكَّةَ، فلَحِقَهمُ المُشرِكونَ فأعطَوهمُ الفِتنةَ، أي: عَذَّبوهم حتَّى يَرتَدُّوا عن دينِهم، فنَزَلَت هذه الآيةُ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 10] ، أي: إذا أصابَه بَلاءٌ مِنَ النَّاسِ افتَتَنَ {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 10] أي: جَعَلَ أذى النَّاسِ وعَذابَهم كَعَذابِ اللَّهِ في الآخِرةِ، أي: جَزِعَ مِن عَذابِ النَّاسِ ولَم يَصبِرْ عليه، فأطاعَ النَّاسَ كما يُطيعُ اللَّهَ مَن يَخافُ عَذابَه.
وفي الحَديثِ بَيانُ سَبَبِ نُزولِ هذه الآياتِ.
وفيه خُطورةُ تَكثيرِ سَوادِ المُشرِكينَ والخُروجِ مَعَهم مَعَ عَدَمِ موافقَتِهم بالقُلوبِ .