إنَّ فيكمْ قومًا يعبدونَ ويَدأبونَ حتى يُعجبَ بهمُ الناسُ وتعجبهمْ نفوسَهمْ ، يمرقونَ منَ الدينِ مروقَ السهمِ منَ الرميةِ .
العُجْبُ آفةٌ ذَميمةٌ وخُلُقٌ سَيِّئٌ، وهو أن يَرى الإنسانُ مِن نَفسِه أنَّ عِندَه شَيئًا ليسَ عِندَ غَيرِه، فيَتَعاظَمُ في نَفسِه حتَّى يوقِعَه عُجْبُه هذا في الانحِرافِ والضَّلالِ؛ ولهذا حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ العُجْبِ وأخبَرَ أصحابَه، وقال لهم: إنَّ فيكُم، أي: سَيَكونُ فيكُم قَومًا يَعبُدونَ ويَدأَبونَ.
مِنَ الدَّأبِ: وهو التَّعَبُ، والمَعنى: أنَّهم يُكثِرونَ التَّعَبُّدَ ويُتعِبونَ أنفُسَهم ويَجتَهدونَ في أنواعٍ مِنَ العِباداتِ، حتَّى يُعجَبَ بهمُ النَّاسُ، أي: حتَّى يَصِلَ الأمرُ إلى أنَّ النَّاسَ يَعجَبونَ مِن كَثرةِ اجتِهادِ هؤلاء القَومِ، وتُعجِبُهم نُفوسُهم، أي: حتَّى إنَّ القَومَ أنفُسَهم تُعجِبُهم نُفوسُهم لِما قاموا بهم مِن كَثرةِ العِبادةِ، يَمرُقونَ، أي: يَجوزونَ ويَخرِقونَ ويَتَعَدَّونَ مِنَ الدِّينِ، أي: مِنَ الإسلامِ، مُروقَ السَّهمِ مِنَ الرَّميَّةِ.
وهيَ الصَّيدُ الذي تَرميه فتَقصِدُه ويَنفُذُ فيه سَهمُك.
وقيل: هيَ كُلُّ دابَّةٍ مَرميَّةٍ.
والمَعنى: أنَّ هؤلاء الأقوامَ يُؤَدِّي بهم عُجْبُهم بعِبادَتِهم إلى أن يَمرُقوا مِنَ الإسلامِ كَما يَخرِقُ السَّهمُ الشَّيءَ المَرميَّ به ويَخرُجُ مِنه.
وهذا الوَصفُ هو مِن أوصافِ الخَوارِج الذينَ اجتَهَدوا في العِبادةِ، ثُمَّ مَرَقوا مِنَ الدِّينِ، وقاتَلوا أهلَ الإسلامِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ عَلَمٍ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ.
وفيه التَّحذيرُ مِنَ العُجبِ.
وفيه أنَّ الغُلوَّ في العِباداتِ يُؤَدِّي إلى الانحِرافِ والبُعدِ عنِ الدِّينِ .