لمَّا أرادوا غَسلَ رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ - اختَلفوا فيهِ فقالوا : واللَّهُ ما نَرى كيفَ نصنعُ أنُجرِّدُ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ - كما نُجرِّدُ موتَانا أم نغسلُهُ وعليهِ ثيابُهُ ؟ قالَت : فلمَّا اختَلفوا أرسلَ اللَّهُ عليهم السِّنَةَ حتَّى واللَّهِ ما من القومِ من رجلٍ إلَّا ذقنه في صدرِهِ نائمًا ثمَّ كلَّمَهُم من ناحيةِ البيتِ لا يُدري من هوَ فقالوا اغسِلوا النَّبيَّ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ - وعليهِ ثيابُهُ .
قالَت فثاروا إليهِ فغسَّلوا رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ - وَهوَ في قميصِهِ يُفاضِ عليهِ الماءُ والسِّدرُ ويدلِّكُهُ الرِّجالُ بالقَميصِ وَكانت تقولُ لَو استَقبلتُ من الأمرِ ما استدبَرتَ ما غسَّلَ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ - إلَّا نساؤُهُ .
أخرجه أبو داود (3141)، وأحمد (26306) باختلاف يسير، وابن ماجه (1464) مختصراً
مِنَ الأحكامِ المُتَعَلِّقةِ بالمَيِّتِ تَغسيلُه، فيُجَرَّدُ مِن ثيابِه ويُغَسَّلُ غُسلًا كامِلًا لجَميعِ جَسَدِه، ولمَّا توُفِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان ممَّا شَغَل بالَ الصَّحابةِ: كَيف يُغَسِّلونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ هَل يُجَرِّدونَه مِنَ الثِّيابِ مِثلَ بَقيَّةِ النَّاسِ أم لا؟ وفي هذا الحَديثِ تَحكي عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها، فتَقولُ: لمَّا أرادوا، أي: الصَّحابةُ، غسلَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اختَلفوا فيه، أي: وقَعَ بَينَهم خِلافٌ في كَيفيَّةِ تَغسيلِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: واللهِ ما نَرى كَيف نَصنَعُ، أي: أنَّهمُ احتاروا، أنُجَرِّدُ، أي: نَخلعُ الثِّيابَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كَما نُجَرِّدُ مَوتانا، أي: كَما نَعَملُ ببَقيَّةِ مِن ماتَ مِنَ النَّاسِ، أم نُغَسِّلُه وعليه ثيابُه؟ أي: أم نَكتَفي بأن نُغَسِّلَه وعليه ثيابُه؛ حُرمةً وصيانةً له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فلمَّا اختَلفوا في شَأنِ تَجريدِه في ثيابِه أم لا، أرسَل اللهُ عليهم، أي: على الصَّحابةِ، السِّنَةَ، أي: النُّعاسَ، حتَّى واللَّهِ ما مِنَ القَومِ مِن رَجُلٍ إلَّا ذَقَنُه -وهو مُجتَمَعُ اللَّحيَينِ- في صَدرِه نائِمًا! أي: مالت رؤوسُهم على صُدورِهم مِن شِدَّةِ النَّومِ، ثُمَّ كَلَّمَهم مِن ناحيةٍ، أي: مِن ناحيةِ البَيتِ الذي كانوا فيه، لا يُدرى مَن هو، أي: خاطَبَهم مُخاطِبٌ لا يَدرونَ مَن هو، وقال لهم: اغسِلوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعليه ثيابُه، أي: فَصَل وحَكَم بَينَهم فيما اختَلفوا فيه، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُغَسَّلُ بثيابِه.
ولعَلَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم تَذَكَّروا بهذا الصَّوتِ ما كانوا يَعرِفونَه مِن حِفظِ كَرامةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ، فغَسَّلوه في قَميصِه، لا أنَّهمُ اعتَمَدوا في ذلك على مُجَرَّدِ سَماعِ الصَّوتِ؛ إذ مِثلُ هذا لا يَنبَني عليه حُكمٌ شَرعيٌّ.
فثاروا إليه، أي: فعِندَ ذلك قاموا وذَهَبوا إلى جَسَدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فغَسَّلوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في قَميصِه، أي: وهو لابسٌ القَميصَ، يُفاضُ، أي: يُسكَبُ عليه الماءُ والسِّدرُ، وهو شَجَرُ النَّبقِ يُطحَنُ ويُستَعمَلُ في التَّنظيفِ، ويَدلُكُه الرِّجالُ بالقَميصِ، أي: كانوا يَدلُكونَ جَسَدَه الشَّريفَ مِن فوقِ القَميصِ، ولم يَمَسُّوا جَسَدَه الشَّريفَ مُباشَرةً.
تَقولُ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لوِ استَقبَلتُ مِنَ الأمرِ ما استَدبَرتُ، أي: لو عَلِمتُ أوَّلًا ما عَلِمتُ آخِرًا، وظَهَرَ لي أوَّلًا ما ظَهَرَ لي آخِرًا؛ ما غَسَّل رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه إلَّا نِساؤُه.
والمَعنى: أنَّها لو عَلِمَت قَبلَ هذا الأوانِ ما سَيَقَعُ آخِرَه، ما غَسَّل النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَيرُ نِسائِه؛ لأنَّ عِصمةَ نِكاحِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا تَنقَطِعُ بالمَوتِ، ولكان أزواجُه هنَّ اللَّاتي يُغَسِّلنَه، والزَّوجةُ إذا غَسَّلت زَوجَها فإنَّها سَتَرى مِنه كُلَّ شَيءٍ، كَما أنَّ الرَّجُلَ له أن يُغَسِّلَ زَوجَتَه، وأن يَرى مِنها كُلَّ شَيء، فكَأنَّ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها تَفكَّرَت في الأمرِ بَعدَ أن مَضى، وذَكَرَت قَولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لها: ما ضَرَّك لو مُتِّ قَبلي فغَسَّلتُكِ وكَفَّنتُكِ، ثُمَّ صَلَّيتُ عليك ودَفَنتُكِ.
وفي الحَديثِ وُقوعُ الخِلافِ بَينَ الصَّحابةِ في كَيفيَّةِ تَغسيلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه أنَّ المَيِّتَ يُغَسَّلُ بَعدَ أن يُجَرَّدَ مِن ثيابِه.
وفيه أنَّ مِن خَصائِصِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه غُسِّل في ثيابِه دونَ أن يُجَرَّدَ.
وفيه مَشروعيَّةُ استِعمالِ السِّدرِ في تَغسيلِ المَيِّتِ.
وفيه مَشروعيَّةُ قَولِ: لو، في أُمورِ الخَيرِ لا على وَجهِ التَّحَسُّرِ والتَّسَخُّطِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَغسيلِ الزَّوجةِ لزَوجِها إذا ماتَ .
[سنن أبي داود] (3/ 196) 3141- حدثنا النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال: سمعت عائشة ، تقول: لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: ((أن اغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم))، وكانت عائشة تقول: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسله إلا نساؤه))
[مسند أحمد] (43/ 331) 26306- حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يحيي بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندري كيف نصنع؟ أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ قالت: فلما اختلفوا أرسل الله عليهم السنة، حتى والله ما من القوم من رجل إلا ذقنه في صدره نائما، قالت: ثم كلمهم من ناحية البيت، لا يدرون من هو، فقال: (( اغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه)).
قالت: فثاروا إليه، (( فغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قميصه يفاض عليه الماء والسدر، ويدلكه الرجال بالقميص))، وكانت تقول: لو استقبلت من الأمر ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه
[سنن ابن ماجه] (1/ 470) 1464- حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ، قالت: ((لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم غير نسائه))