أنَّ عبدَ اللَّهِ بنِ الحارثِ بنِ جَزءٍ الزُّبَيْديِّ حدَّثهُ أنَّهُ مرَّ وصاحبٌ لَهُ بأيمنَ [وفتية] من قُرَيْشٍ قد حلُّوا أزرَهُم فجعَلوها مَخاريقَ ، يجتلِدونَ بِها وَهُم عُراةٌ.

قالَ عبدُ اللَّهِ: فلمَّا مرَرنا بِهِم قالوا: إنَّ هؤلاءِ قسِّيسونَ فدَعوهم.

ثمَّ إنَّ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - خرجَ عليهِم، فلمَّا أبصَروهُ تبدَّدوا ، فرَجعَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ – مُغضبًا حتَّى دخلَ، وَكُنتُ أنا وراءَ الحُجرةِ، فسَمِعْتُهُ يقولُ: سُبحانَ اللَّهِ، لا منَ اللَّهِ استَحيوا، ولا مِن رسولِهِ استَتَروا.

وأمُّ أيمنَ عِندَهُ تقولُ: استَغفِرْ لَهُم يا رسولَ اللَّهِ قال عبدُ اللَّهِ فبِلَأْيٍ ما استغفرَ لَهُم

الدلالات الموضوعية:# بر وصلة - الحياء# ستر العورة - عورات الرجال والنساء# رقائق وزهد - الاستحياء من الله# زينة اللباس - ستر العورة# ستر العورة - وجوب سترها
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: عبدالله بن الحارث
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح

الشرح والتوضيح

جاءَتِ الشَّريعةُ بالأمرِ بحِفظِ العَوراتِ وسَترِها، وأنَّ على الشَّخصِ أن يَستُرَ عَورَتَه مِن أن يَطَّلِعَ عليها أحَدٌ، وإذا كان وَحدَه فاللَّهُ أحَقُّ أن يُستحيا مِنه.

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ سُلَيمانُ بنُ زيادٍ الحَضرَميُّ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الحارِثِ بنِ جَزْءٍ الزُّبَيديِّ رَضِيَ اللهُ عنه حَدَّثَه، أي: أخبَرَه، بأنَّه مَرَّ وصاحِبٌ له بأيمَنَ، وهو أيمَنُ بنُ عبيدٍ، وأُمُّه أمُّ أيمَنَ حاضِنةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واسمُها بَرَكةُ، وفِتيةٌ مِن قُرَيشٍ، أي: أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الحارِثِ مَعَ صاحِبٍ له مَرَّا على أيمَنَ وهو مَعَ مَجموعةِ شَبابٍ مِن قُرَيشٍ، قد حَلُّوا أُزُرَهم، أي: خَلعوا الإزارَ الذي يَستُرونَ به عَوراتِهم، والظَّاهرَ أنَّه تَصادَف وُجودُ أيمَنَ في هذا المَكانِ فشارَكَهم في عَمَلِهم، أو يَكونُ ذلك قَبلَ إسلامِه، فجَعَلوها مخاريقَ.

جَمعُ مِخراقٍ، وهو ثَوبٌ يُلَفُّ ويَضرِبُ به الصِّبيانُ بَعضُهم بَعضًا، يجتَلِدون بها، أي: صارَ يَضرِبُ بَعضُهم بَعضًا، وهم عُراةٌ، أي: بدونِ إزارٍ، فلم يَكُنْ لهم ثَوبٌ سِوى الإزارِ.

يَقولُ عَبدُ اللهِ بنُ الحارِثِ: فلمَّا مَرَرنا بهم وهم على حالِهم هذه قالوا: إنَّ هؤلاء قِسِّيسونَ.

جَمعُ قَسٍّ، وهو عالمُ النَّصارى، والظَّاهرُ أنَّهم قالوا ذلك استِهزاءً بهم؛ فدَعُوهم، أي: اترُكوهم وشَأنَهم.

ثُمَّ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجَ عليهم، أي: مَرَّ رَسولُ اللهِ عليهم وهم عُراةٌ، فلمَّا أبصَرَ الفِتيةُ رَسولَ اللهِ تَبَدَّدوا، أي: تَفرَّقوا وهَرَبوا.

فرَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُغضَبًا حتَّى دَخَل، أي: عادَ رَسولُ اللهِ إلى بَيتِه وهو غاضِبٌ مِن فِعلِ أولئِكَ الفِتيةِ وكَشفِهم لعَوراتِهم.

يَقولُ عَبدُ اللهِ بنُ الحارِثِ: وكُنت أنا وراءَ الحُجرةِ، أي: خَلفَ حُجرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَمِعتُه يَقولُ، أي: سَمِعَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: سُبحانَ اللَّهِ! أي: أُنَزِّهُ اللَّهَ تعالى عن جَميعِ العُيوبِ والنَّقائِصِ، لا مِنَ اللهِ استَحيَوا، أي: هؤلاء الشَّبابُ لم يَستَحيوا مِنَ اللهِ فيُغَطُّوا عَوراتِهم، ولا مِن رَسولِه استَتَروا، أي: بأن فعَلوا ذلك في مَحَلٍّ لا يَقَعُ عليه نَظَرُ أحَدٍ مِنَ الأصلِ! وكانت أمُّ أيمَنَ عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت له: استَغفِرْ لهم يا رَسولَ اللهِ، أي: ادعُ اللهَ لهم بالمَغفِرةِ.

وإنَّما قالت ذلك أمُّ أيمَنَ؛ لأنَّ ابنَها كان مَعَهم، فخافت أن يُصيبَه شَيءٌ مِن غَضَبِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

قال عَبدُ اللَّهِ: فبِلَأيٍ -أي: بشِدَّةٍ، ومِنه اللَّأواءُ- ما استَغفرَ لهم، أي: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ مَشَقَّةٍ وجُهدٍ وإبطاءٍ استَغفَر لهم.

فقد جاءَ في رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: فلا واللَّهِ ما أستَغفِرُ لهم! وأمُّ أيمَنَ عِندَه تَقولُ: استَغفِرْ لهم يا رَسولَ اللهِ، فقال: غَفرَ اللهُ لهم.

وفي الحَديثِ التَّحذيرُ مِن كَشفِ العَوراتِ.

وفيه الغَضَبُ عِندَ رُؤيةِ المُنكَرِ.

وفيه ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الغَيرةِ عِندَ رُؤيةِ المُنكَراتِ.

وفيه مَشروعيَّةُ طَلَبِ الاستِغفارِ مِنَ الصَّالحينَ.

وفيه شَفقةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورَحمَتُه بأُمَّتِه .

أحاديث ذات صلة