ما أَهْلكَ اللهُ قَوْمًا ، و لا قَرْنًا، و لا أُمَّةً ، ولا أهلَ قَرْيَةٍ مُنْذُ أنْزَلَ التوراةَ على وجْهِ الأرضِ بِعَذَابٍ مِنَ السَّماءِ ، غيرَ أهلِ القَرْيَةِ التي مُسِخَتْ قِرَدَةً ، أَلمْ تَرَ إلى قَوْلِهِ تعالى : و لقدْ آتَيْنا مُوسَى الكتابَ من بَعْدِ ما أهلَكْنا القُرُونَ الأُولَى بَصائِرَ لِلنَّاسِ و هُدًى ورَحْمَةً لعلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
أخرجه الحاكم (3534)، والثعلبي في ((تفسيره)) (7/ 251) كلاهما بلفظه، والطبري في ((جامع البيان)) (18/ 259) بنحوه.
كان قَبلَ نُزولِ التَّوراةِ يُهلِكُ اللهُ المُكَذِّبينَ للرُّسُلِ بعَذابِ الاستِئصالِ، عَذابًا عاجِلًا يُهلِكُ اللهُ به جَميعَ المُكَذِّبينَ، كَما أهلَك قَومَ نوحٍ، وكَما أهلكَ عادًا، وثَمودَ، وأهلَ مَدينَ، وقَومَ لوطٍ، وكَما أهلَك قَومَ فِرعَونَ، وأمَّا بَعدَ نُزولِ التَّوراةِ فلم يُهلِكْ أُمَّةً بعَذابِ الاستِئصالِ، بَل كان بَنو إسرائيلَ يَفعَلونَ ما يَفعَلونَ مِنَ الكُفرِ والمَعاصي فيُعَذَّبُ بَعضُهم ويَبقى بَعضُهم؛ إذ كانوا لم يَتَّفِقوا على الكُفرِ؛ ولهذا لم يَزَلْ في الأرضِ أُمَّةٌ مِن بَني إسرائيلَ باقيةً، إلَّا ما كان مِن أصحابِ القَريةِ الذينَ حَرَّمَ اللهُ عليهمُ اصطيادَ السَّمَكِ يَومَ السَّبتِ فاحتالوا بحيلةٍ حتَّى أخَذوا السَّمَكَ يَومَ الأحَدِ؛ فعِندَ ذلك أنزَل اللهُ عليهمُ العَذابَ وجَعَلهم قِرَدةً؛ ولهذا في الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ما أهلكَ، أي: عَذَّبَ، اللهُ قَومًا، أي: مِنَ الأقوامِ، ولا قَرنًا، أي: مِنَ القُرونِ، ولا أُمَّةً، أي: مِنَ الأُمَمِ الماضيةِ، ولا أهلَ قَريةٍ مُنذُ أنزَل التَّوراةَ، أي: مِن حينِ أنزَل التَّوراةَ على موسى، على وَجهِ الأرضِ بعَذابٍ مِنَ السَّماءِ غَيرَ أهلِ القَريةِ التي مُسِخَت قِرَدةً، أي: أنَّه سُبحانَه ما عَذَّبَ أحَدًا بعَذابٍ أنزَله مِنَ السَّماءِ عامًّا بَعدَ إنزالِ التَّوراةِ أبَدًا إلَّا ما كان مِن عَذابِ أهلِ القَريةِ الذينَ احتالوا على أمرِ اللهِ في مَنعِهم مِنَ الاصطيادِ يَومَ السَّبتِ؛ فعِندَ ذلك عَذَّبَهمُ اللهُ وأنزَل عليهمُ العَذابَ، فأصبَحوا قِرَدةً، ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألم تَرَ إلى قَولِه تعالى: {وَلَقدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} وهو التَّوراةُ، {مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} الذينَ كان خاتِمَتَهم في الإهلاكِ العامِّ فِرعَونُ وجُنودُه، وأنَّه بَعدَ إنزالِ التَّوراةِ لم يُعَذِّبْ أُمَّةً بعامَّةٍ، بَل أمر المُؤمِنينَ أن يُقاتِلوا أعداءَ اللهِ مِنَ المُشرِكينَ، {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} أي: ليُبصِروا بذلك ما يَنفعُهم وما يَضُرُّهم {وَهُدًى} إلى الحَقِّ، {وَرَحْمَةً} لمَن آمَنَ به وإرشادًا إلى الأعمالِ الصَّالحةِ، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لعَلَّ النَّاسَ يَتَذَكَّرونَ بسَبَبِه ما فيه مِنَ المَواعِظِ والبَصائِرِ.
وفي الحَديثِ أنَّ العَذابَ كان قَبلَ إنزالِ التَّوراةِ عَذابًا عامًّا مِنَ السَّماءِ.
وفيه اختِصاصُ أصحابِ القَريةِ بالعَذابِ مِنَ السَّماءِ دونَ بَقيَّةِ مَن بَعدَهم مِنَ الأقوامِ والأُمَمِ بَعدَ إنزالِ التَّوراةِ .