عن عليِّ بنِ رَبيعةَ، قال: رأيْتُ عليًّا أُتِيَ بدابَّةٍ لِيَركَبَها، فلمَّا وضَع رِجْلَه في الرِّكابِ قال: بسمِ اللهِ، فلمَّا استَوى عليها قال: الحَمدُ للهِ، سُبحانَ الذي سخَّر لنا هذا، وما كُنَّا له مُقرِنينَ، وإنَّا إلى ربِّنا لَمُنقلِبونَ، ثُم حمِد اللهَ ثلاثًا، وكبَّر ثلاثًا، ثُم قال: سُبحانَكَ لا إلهَ إلَّا أنتَ، قد ظلَمْتُ نفْسي فاغفِرْ لي.
ثُم ضحِك، فقُلتُ: مِمَّ ضحِكْتَ يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ قال: رأيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فعَل مِثلَما فعَلْتُ، ثُم ضحِك، فقُلتُ: مِمَّ ضحِكْتَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: يَعجَبُ الرَّبُّ من عبْدِه إذا قال: ربِّ اغفِرْ لي، ويقولُ: عَلِم عَبْدي أنَّه لا يَغفِرُ الذُّنوبَ غَيْري.
أخرجه أبو داود (2602)، والترمذي (3446)، والنسائي ((السنن الكبرى)) (8799) باختلاف يسير، وأحمد (753) واللفظ له
رَغَّبَ اللهُ تعالى عِبادَه أن يُكثِروا مِن دُعائِه وذِكرِه، وبَيَّنَ لهم سُبحانَه الجَزاءَ العَظيمَ والأجرَ الكَبيرَ على ذلك، وأنواعُ الأذكارِ والأدعيةِ الوارِدةِ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في السُّنَّةِ مُتَعَدِّدةٌ ومُتَنَوِّعةٌ؛ فمِنها الأذكارُ والأدعيةُ المُطلَقةُ غَيرُ المُقَيَّدةِ، ومِنها الأذكارُ والأدعيةُ المُقَيَّدةُ بأحوالٍ مُعَيَّنةٍ وأماكِنَ مُعَيَّنةٍ، ومِن ذلك الأذكارُ التي تُقالُ عِندَ رُكوبِ الدَّابَّةِ، يَقولُ عليُّ بنُ رَبيعةَ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: رَأيتُ عَليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه أُتيَ بدابَّةٍ ليَركَبَها، أي: أُحضِرت له دابَّةٌ كَي يَركَبَها ويَصعَدَ فوقَها، فلمَّا وضَعَ رِجلَه في الرِّكابِ -وهو ما توضَعُ فيه الرِّجلُ عِندَ صُعودِ الشَّخصِ على الجَمَلِ، وهما رِكابانِ يُدخِلُ الرَّاكِبُ رِجلَه فيهما حتَّى يَركَبَ- قال: بسمِ اللهِ، أي: قال: بسمِ اللهِ عِندَ بدايةِ صُعودِه على الدَّابَّةِ، أو عِندَ وَضعِه رِجلَه في الرِّكابِ، فلمَّا استَوى عليها، أي: فلمَّا صَعِدَ واستَقَرَّ على ظَهرِ الدَّابَّةِ، قال: الحَمدُ للهِ، أي: على نِعمةِ الرُّكوبِ وغَيرِها، سُبحانَ الذي سَخَّرَ، أي: ذَلَّل وهَيَّأ، لنا هذا، أي: الدَّابَّةَ أوِ المَركوبَ، وما كُنَّا له مُقرِنينَ، أي: مُطيقينَ وأقوياءَ لتَذليلِه والانتِفاعِ به مِن تَحميلٍ ورُكوبٍ وغَيرِ ذلك.
والمَعنى: أنَّه لولا تَسخيرُ اللهِ لنا هذه الدَّابَّةَ لَما كُنَّا نَقدِرُ عليه، وذلك لكِبَرِ أجسامِ الدَّوابِّ وعِظَمِ خِلقَتِها، وإنَّا إلى رَبِّنا لمُنقَلِبونَ، أي: في الآخِرةِ لراجِعونَ إليه.
واتِّصالُه بذلك؛ لأنَّ الرُّكوبَ للتَّنَقُّلِ، والنَّقلةُ العُظمى للرَّاكِبِ هو الانقِلابُ إلى اللهِ تعالى؛ فيَنبَغي للرَّاكِبِ أن لا يَغفُلَ عنه، وأن يَستَعِدَّ للقاءِ اللهِ تعالى، والمَعنى: وإنَّا صائِرونَ إلى رَبِّنا بَعدَ مَماتِنا وإليه سَيرُنا الأكبَرُ، وهذا مِن بابِ التَّنبيهِ بسَيرِ الدُّنيا على سَيرِ الآخِرة، ثُمَّ بَعدَ أن قال عليٌّ هذا الذِّكرَ، حَمِد اللهَ ثَلاثًا، أي: قال: الحَمدُ للهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؛ فالحَمدُ الكامِلُ كُلُّه للهِ تعالى، وهو يَتَضَمَّنُ إثباتَ جَميعِ أنواعِ الكَمالِ للهِ، فهو الذي يُحمَدُ سُبحانَه على كُلِّ حالٍ، فحَمِدَ اللَّهَ على ما مَنَّ عليه مِن تَسخيرِ هذه الدَّابَّةِ، وكَبَّرَ ثَلاثًا، أي: قال: اللهُ أكبَرُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
فهو أكبَرُ مِن كُلِّ كَبيرٍ، ولا يتعاظمُه شَيءٌ سُبحانَه، فمَهما كَبُرَتِ الدَّابَّةُ أو أيُّ شَيءٍ، فاللَّهُ أكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ.
ثُمَّ قال: سُبحانَك، أي: أُنَزِّهك عن جَميعِ العُيوبِ والنَّقائِصِ، لا إلهَ إلَّا أنتَ، وهو نَفيٌ لجَميعِ ما يُعبَدُ مِنَ الآلهةِ، وإثباتُ العُبوديَّةِ للهِ تعالى وَحدَه، قد ظَلمتُ نَفسي فاغفِرْ لي، أي: إنِّي يا رَبِّ ظالمٌ لنَفسي بكَثرةِ الذُّنوبِ والخَطايا والتَّقصيرِ في حَقِّك سُبحانَك؛ فاغفِرْ لي وتَجاوَزْ عنِّي.
ثُمَّ ضَحِكَ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه بَعدَ كُلِّ ذلك، فقال له عليُّ بنُ رَبيعةَ: مِمَّ ضَحِكتَ يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ أي: ما سَبَبُ ضَحِكِك في هذا المَوقِفِ؟! فقال عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه: رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَعَل مِثلَما فعَلتُ، أي: مِنَ الرُّكوبِ والدُّعاءِ والذِّكرِ، ثُمَّ ضَحِكَ، أي: ثُمَّ بَعدَ ذلك ضَحِكَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم أعلَمْ سَبَبَ ضَحِكِه.
فقُلتُ له: مِمَّ ضَحِكتَ يا رَسولَ اللهِ؟ أي: ما سَبَبُ ضَحِكِك يا رَسولَ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ: يَعجَبُ الرَّبُّ مِن عَبدِه إذا قال: رَبِّ اغفِرْ لي، أي: طَلبَ مِنَ اللهِ أن يَغفِرَ له ذُنوبَه، فيَقولُ اللهُ: عَلمَ عَبدي أنَّه لا يَغفِرُ الذُّنوبَ غَيري، أي: ليسَ أحَدٌ يَغفِرُ المَعصيةَ غَيري، ولا يُزيلُ عُقوبَتَها إلَّا أنا، فهو إقرارٌ بوحدانيَّةِ اللهِ واستِجلابٌ لمَغفِرَتِه.
وفي الحَديثِ خِدمةُ العالمِ بتَقديمِ الدَّابَّةِ إليه وإعانَتِه في الرُّكوبِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الرِّكابِ والاستِعانةِ به.
وفيه مَشروعيَّةُ الإتيانِ بهذا الذِّكرِ عِندَ رُكوبِ الدَّابَّةِ.
وفيه فَضلُ اللهِ تعالى على عِبادِه وتَسخيرُه الدَّوابَّ لهم.
وفيه اقتِداءُ الصَّحابةِ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أقوالِه وأفعالِه.
وفيه سُؤالُ العالمِ إذا فعَل ما لا يَتَّضِحُ مَعناه عن سَبَبِه ليُقتَدى به فيه.
وفيه استِحبابُ حَمدِ اللهِ عِندَ كُلِّ نِعمةٍ مُتَجَدِّدةٍ.
وفيه استِحبابُ التَّثليثِ في الأقوالِ والأفعالِ.
وفيه دَليلٌ على أنَّ الإنسانَ لا يَسلَمُ مِن ذَنبٍ وتَقصيرٍ.
وفيه أنَّ الإنسانَ يَفعَلُ الفِعلَ الحَسَنَ، وإن لم يَكُن له داعيةٌ مِن نَفسِه تَشَبُّهًا بأهلِه.
وفيه إثباتُ صِفةِ العَجَبِ للهِ تعالى.
وفيه بَيانُ بَعضِ الأعمالِ التي يَعجَبُ اللهُ تعالى مِن أصحابِها.
وفيه سُؤالُ اللهِ تعالى مَغفِرةَ الذُّنوبِ.
وفيه بَيانُ أنَّه لا أحَدَ يَغفِرُ الذُّنوبَ غَيرُ اللهِ تعالى .