اختصم رجلان إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أرضِ أحدِهما من حضْرَمَوْتَ فجعل صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يمينُ أحدِهما فضجَّ الآخرُ فقال إذن يذهبُ بأرضي فقال : إن هو اقتطعها بيمينِه ظُلمًا كان ممَّن لا ينظُرُ اللهُ إليه يومَ القيامةِ ولا يُزكِّيه وله عذابٌ أليمٌ وورِع الآخرُ فردَّها
أخرجه أحمد (19532)، وأبو يعلى (7274)
بَيَّنَتِ الشَّريعةُ أحكامَ مُعامَلاتِ النَّاسِ فيما بَينَهم، وكَيفيَّةَ حَلِّ المُشكِلاتِ التي تَقَعُ في بَيعِهم وشِرائِهم، وما يَقَعُ أيضًا بَينَهم مِن خُصوماتٍ بسَبَبِ الأراضي وغَيرِها، ومِن ذلك أن جَعَلتِ البَيِّنةَ على المُدَّعي، واليَمينَ على مَن أنكَرَ، وفي الحَديثِ: اختَصَمَ رَجُلانِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أرضٍ، أي: تَنازَعَ واختَلف رَجُلانِ بسَبَبِ أرضٍ كُلٌّ يَدَّعي أنَّها له، فتَرافعوا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَقضيَ بَينَهما، أحَدُهما مِن حَضرَمَوتَ، أي: أحَدُ الخَصمَينِ مِن حَضرَمَوتَ، وهيَ مَدينةٌ في اليَمَنِ، فجَعَل صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَمينَ أحَدِهما، أي: لعَلَّه لم يَكُنْ لأحَدِهما بَيِّنةٌ على الأرضِ؛ ولذلك جَعَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحَدَهما يَحلفُ أنَّها أرضُه، أو أنَّه قَضى بيَمينِ المُنكِرِ للمُدَّعي؛ لعَجزِه عنِ البَيِّنةِ، فقد جاءَ في رِوايةٍ توضِّحُ ذلك، وهيَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال له: أحضِرْ بَيِّنتَك.
فلم يَكُنْ له بَيِّنةٌ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإنَّ اليَمينَ عليه.
فضَجَّ الآخَرُ، أي: صاحَ، وقال: إذَن يَذهَبُ بأرضي، أي: أنَّه يا رَسولَ اللهِ سيَحلِفُ وهو لا يُبالي باليَمينِ، فيَأخُذُ الأرضَ وهيَ لي.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إن هو اقتَطَعَها بيَمينِه ظُلمًا، أي: أخذَ الأرضَ باليَمينِ وهو كاذِبٌ وظالمٌ، كان مِمَّن لا يَنظُرُ اللهُ إليه يَومَ القيامةِ، أي: لا يَنظُرُ إليه استِهانةً به وغَضَبًا عليه، ولا يُزَكِّيه، أي: لا يُثني عليه ولا يُطَهِّرُه مِن ذُنوبِه ويَغفِرُها له، وله عَذابٌ أليمٌ، أي: شَديدٌ وموجِعٌ، ووَرِعَ الآخَرُ فرَدَّها، أي: أنَّ الخَصمَ الآخَرَ لمَّا سَمِعَ هذه العُقوبةَ الشَّديدةَ لمَن أخَذَ حَقَّ الغَيرِ ظُلمًا تَورَّعَ عن أخذِ الأرضِ وخاف ورَدَّها لصاحِبِها.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الاختِصامِ في الأراضي للإمامِ.
وفيه مَشروعيَّةُ اليَمينِ في الخُصومةِ.
وفيه تَعظيمُ أمرِ اليَمينِ.
وفيه بَيانُ الوعيدِ الشَّديدِ لمَن أخَذَ حَقَّ الغَيرِ ظُلمًا .