قال لي عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ وقد وضَعْتُ رِجْلي في الغَرْزِ وأنا أُريدُ العِراقَ : لا تَأْتِ أهلَ العِراقِ فإنَّك إنْ أتَيْتَهم أصابك ذُبابُ السَّيفِ بها قال علِيٌّ : وايمُ اللهِ لقد قالها لي رسولُ اللهِ قال أبو الأسودِ : فقُلْتُ في نفسي : ما رأَيْتُ كاليومِ رجُلًا مُحاربًا يُحدِّثُ النَّاسَ بمِثْلِ هذا
أخرجه ابن حبان (6733)، والحميدي في ((المسند)) (53)، وعبد الله بن أحمد في ((السنة)) (1308)، واللفظ لهم، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني))، باختلاف يسير.
مِن أعلامِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه أخبَرَ بما سَيَقَعُ مِنَ الأحداثِ والفِتَنِ بَعدَ مَوتِه، ومِن ذلك ما يَكونُ في بَلَدِ العِراقِ مِن ظُهورٍ للفِتَنِ، وقد جاءَ أنَّ أهلَ العِراقِ أهلُ غَدرٍ وخيانةٍ، وكان الصَّحابةُ يُحَذِّرونَ أيَّ أحَدٍ يُريدُ الذَّهابَ إلى العِراقِ، ومِن ذلك أنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه أخبَرَ أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال له، وقد وضَعَ عليٌّ رِجلَه في الغَرزِ -وهو رِكابٌ مِن جِلدٍ أو خَشَبٍ يَكونُ على الجَمَلِ، يُدخِلُ الرَّاكِبُ رِجلَه فيه حتَّى يَركَبَ- يُريدُ الذَّهابَ إلى العِراقِ: لا تَأتِ أهلَ العِراقِ، أي: إنِّي أُحَذِّرُك وأنصَحُك بعَدَمِ السَّفرِ إلى العِراقِ؛ فإنَّك إن أتَيتَهم، أي: أهلَ العِراقِ، أصابَك ذُبابُ السَّيفِ، وهو طَرَفُه وحَدُّه الذي يُضرَبُ به، بها، أي: العِراقِ، والمَعنى: أنَّه سَوف يُصيبُك القَتلُ هناكَ.
فقال عليٌّ: وايمُ اللَّهِ -وهذا مِن ألفاظِ القَسَمِ، أي: يَمينُ اللهِ- لقد قالها لي رَسولُ اللهِ، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ قد حَذَّرَه مِنَ الذَّهابِ إلى العِراقِ مِن قَبلُ وقال له ذلك.
قال أبو الأسوَدِ -وهو الدُّؤَليُّ أحَدُ التَّابِعينَ مِن أصحابِ عَليٍّ-: فقُلتُ في نَفسي، أي: قال كَلامًا فيما بَينَه وبَينَ نَفسِه مُتَعَجِّبًا مِن عليٍّ: ما رَأيتُ كاليَومِ رَجُلًا مُحارِبًا يُحَدِّثُ النَّاس بمِثلِ هذا! يَقصِدُ بذلك عليًّا، أي: أنِّي لم أرَ رَجُلًا يُحارِبُ ويُقاتِلُ ويُخبرُ النَّاس بأنَّه سَوف يُقتَلُ.
وقد وقَعَ مِصداقُ ما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا سافرَ عليٌّ إلى الكوفةِ وهيَ مِنَ العِراقِ واستَقَرَّ فيها، قُتِل هناكَ سَنة أربَعينَ مِنَ الهجرةِ، قَتَله عَبدُ الرَّحمنِ بنُ مُلجِمٍ.
وفي الحَديثِ إخبارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعَليٍّ بأنَّه مَقتولٌ.
وفيه نُصحُ الرَّعيَّةِ للإمامِ وتَحذيرُهم مِن بَعضِ البُلدانِ.
وفيه قوَّةُ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه وشَجاعَتُه .