- عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، قال: نزَلَتْ فيَّ أربعُ آياتٍ مِن كتابِ اللهِ: كانت أُمِّي حلَفَتْ ألَّا تأكُلَ ولا تشرَبَ حتَّى أُفارِقَ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فأنزَلُ اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]، والثَّانيةُ: أنِّي كنتُ أخَذْتُ سَيفًا أعجَبَني، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، هَبْ لي هذا؛ فنزَلَتْ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: 1]، والثَّالثةُ: أنِّي مَرِضْتُ، فأتاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُريدُ أنْ أَقسِمَ مالي، أَفأُوصي بالنِّصْفِ؟ فقال: لا، فقلتُ: الثُّلُثِ؟ فسَكَتَ، فكان الثُّلُثُ بَعدَهُ جائزًا، والرَّابعةُ: أنِّي شَرِبْتُ الخَمْرَ مع قومٍ مِنَ الأنصارِ، فضرَبَ رجُلٌ منهم أَنْفي بلَحْيَيْ جَمَلٍ ، فأتيْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ تحريمَ الخَمْرِ.
العِلمُ بالقُرآنِ وبمَعانيه وتَفسيرِه مِن أشرَفِ العُلومِ وأجَلِّها؛ فهو مُتَعَلِّقٌ بكِتابِ اللهِ تعالى، وقد أَولى العُلماءُ العِلمَ بالقُرآنِ الاهتِمامَ الأكبَرَ، فقَسَّموا أنواعَ العُلومِ في القُرآنِ إلى أنواعٍ مُتَعَدِّدةٍ، مِنها ما يَتَعَلَّقُ بالتَّفسيرِ، ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بغَريبِ القُرآنِ، ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بمعرِفةِ المَكِّيِّ والمَدَنيِّ، ومِنها أيضًا ما يَتَعَلَّقُ بأسبابِ النُّزولِ، وهو عِلمٌ شَريفٌ جَليلٌ؛ إذ به يُعرَفُ كَيف كانت بدايةُ نُزولِ الآياتِ، وما سَبَبُها، وذلك أنَّ المُسلِمينَ في بدايةِ الإسلامِ كانت تَقَعُ لهم حَوادِثُ وقَضايا، فيَنزِلُ القُرآنُ ببَيانِ أحكامِها على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي هذا الحَديثِ يُبَيِّنُ سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه بَعضَ الآياتِ التي نَزَلت فيه، فيَقولُ: نَزَلت فيَّ أربَعُ آياتٍ مِن كِتابِ اللهِ، أي: نَزَلت بخُصوصِه وإن كان الحُكمُ عامًّا؛ الأولى: كانت أُمِّي حَلَفَت ألَّا تَأكُلَ ولا تَشرَبَ حتَّى أُفارِقَ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: حتَّى أترُكَ دينَ مُحَمَّدٍ وأرجِعَ عن ديني، فامتَنَعَ مِن ذلك رَضِيَ اللهُ عنه؛ فأنزَل اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَولَه: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] ، أي: مَهما كانت طاعةُ الوالدَينِ عَظيمةً فإنَّها تَكونُ في المَعروفِ، فإذا أمَرا بالشِّركِ فلا طاعةَ لهما في ذلك، مَعَ استِمرارِ مُصاحَبةِ الوَلَدِ لهما وإحسانِه وبرِّه.
والآيةُ الثَّانيةُ: أنِّي كُنتُ أخَذتُ سَيفًا أعجَبَني، أي: أخَذَ سَيفًا مِنَ المَغنَمِ في إحدى الغَزَواتِ قَبلَ قِسمةِ الغَنيمةِ، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّ ذلك كان في غَزوةِ بَدرٍ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هَبْ لي هذا السَّيفَ، أي: أعطِني هذا السَّيفَ، فنَزَلَت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] .
والنَّفَلُ: هو ما يُعطيه الإمامُ للمُقاتِلينَ قَبلَ قِسمةِ الغَنيمةِ زيادةً لهم، وقد تُطلَقُ الأنفالُ على الغَنيمةِ، والمَعنى: أنَّ الأنفالَ هيَ للهِ ورَسولِه يَجعَلُها اللهُ حَيثُ شاءَ.
والآيةُ الثَّالثةُ: أنِّي مَرِضتُ، فأتاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: جاءَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَزورُه، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أُريدُ أن أقسِمَ مالي، أفأوصي بالنِّصفِ؟ أي: هَل لي أن أوصيَ بنِصفِ مالي مِن بَعدِ مَوتي؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا، فقُلتُ: الثُّلثُ؟ فسَكَتَ، فكان الثُّلُثُ بَعدَه جائِزًا، أي: أنَّ الوصيَّةَ بثُلُثِ المالِ جائِزةٌ، وقد جاءَ في رِوايةٍ أنَّه أقَرَّه على الثُّلثِ، ومَعَ ذلك قال له: الثُّلثُ، والثُّلثُ كَثيرٌ.
والآيةُ الرَّابعةُ: أنِّي شَرِبتُ الخَمرَ مَعَ قَومٍ مِنَ الأنصارِ، وذلك قَبلَ تَحريمِه، فضَرَبَ رَجُلٌ مِنهم أنفي بلَحْيَي جَمَلٍ.
وهو عَظمُ الحَنَكِ الذي تَنبُتُ عليه الأسنانُ، وهما لَحْيانِ مِنَ الأعلى ولَحيانِ مِنَ الأسفَلِ، والضَّربُ كان بلَحْيٍ واحِدٍ.
والجَزورُ مِنَ الإبِلِ يَقَعُ على الذَّكَرِ والأُنثى، أي: مِن سُكرِه وعَدَمِ تَمييزِه ضَرَبَ أنفَ سَعدٍ حتَّى جَرَحه وشَقَّه، فأتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: ذَهَبَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يُخبرَه بما حَصَل، فأنزَل اللهُ عَزَّ وجَل تَحريمَ الخَمرِ، أي: أنزَل اللهُ تعالى بَعدَ ذلك تَحريمَ الخَمرِ؛ لكَونِه مُذهِبًا للعُقولِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَحديثِ الشَّخصِ بالآياتِ التي نَزَلت بشَأنِه.
وفيه شَرَفُ سَعدٍ وعُلوُّ مَنزِلتِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أنزَل هذه الآياتِ في شَأنِه، فاستَمَرَّت أحكامُها باقيةً إلى يَومِ القيامةِ، تعودُ عليه بَرَكَتُها، ويَنالُه مِن خَيرِها.
وفيه أنَّ طاعةَ الوالدَينِ تَكونُ في غَيرِ مَعصيةِ اللهِ.
وفيه أنَّ قِسمةَ الأنفالِ مَرجِعُها للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ الوصيَّةِ بثُلثِ المالِ.
وفيه بَيانُ بَعضِ مَفاسِدِ وأضرارِ الخَمرِ .